مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦٨ - هل يكون طلب الإشفاء والشفاعة والإعانة من الصالحين ودعوتهم شركاً
أقول : من البيان السابق اتضح وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات وتبيّن أنّه لا تعارض بين الصنفين مطلقاً ، إلاّ أنّ فريقاً نجدهم يتمسّكون بالصّنف الأوّل من الآيات فيخطّئون أي نوع من الاستعانة بغير الله ، ثم يضطرون إلى إخراج الاستعانة بالقدرة الإنسانية والأسباب المادية من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة بالله بنحو التخصيص بمعنى أنّهم يقولون :
إنّ الاستعانة لا تجوز إلاّ بالله ، إلاّ في الموارد التي إذن الله بها ، وأجاز أن يستعان فيها بغيره ، فتكون الاستعانة بالقدرة الإنسانية والعوامل الطبيعية ـ مع أنّها استعانة بغير الله ـ جائزة ومشروعة على وجه التخصيص ، وهذا مما لا يرتضيه الموحّد.
في حين أنّ هدف الآيات هو غير هذا تماماً ، فإنّ مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد وهو : عدم الاستعانة بغير الله ، وانّ الاستعانة بالعوامل الأُخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة بالله بل تكون بحيث تعد استعانة بالله لا استعانة بغيره.
وبتعبير آخر : أنّ الآيات تريد أن تقول : بأنّ المعين والناصر الوحيد والذي يستمد منه كل معين وناصر ، قدرته وتأثيره ، ليس إلاّ الله سبحانه ، ولكنه ـ مع ذلك ـ أقام هذا الكون على سلسلة من الأسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره ، استمداد الفرع من الأصل ، ولذلك تكون الاستعانة بها كالاستعانة بالله ، ذلك لأنّ الاستعانة بالفرع استعانة بالأصل.
وإليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين :
( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ) [١].
[١] آل عمران : ١٢٦.