مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٢ - ١١ برهان الصدّيقين معرفة الله عن طريق معرفة الوجود
الحالة فإنّ الحادثة التي نواجهها ليس فقط هي التي لا تتحقق بل ولا تتحقق أية حلقة من هذه السلسلة الطويلة غير المتناهية.
لأنّه لو أُتيح لهذه الحلقات أن تتكلم وتنطق بلسان حالها لقالت الأخيرة : إنّما أتحقّق أنا لو أنّ ما قبلي تحقّق ، وما قبلها تقول : إنّي أتحقّق لو أنّ ما قبلي تحقّق ، وحيث إنّ وجود أية واحدة من هذه الحلقات غير خال عن ال « لو » الشرطية كان معناه عدم تحقّق أي شيء من هذه الحلقات بالمرة ، لأنّنا لن نصل ـ في هذه السلسلة ـ إلى حلقة غير مشروطة الوجود بشيء.
فينتج أن لا توجد مثل هذه السلسلة بتاتاً ، اللّهم إلاّ أن يوجد بين حلقات هذه السلسلة ما لا يكون وجوده مشروطاً بشرط أبداً.
فإذا كان هناك مثل هذا الموجود كان معناه حينئذ أنّ هذا الموجود يكون هو « الموجود المطلق » ، أو ما يصطلح عليه ب « الواجب الوجود » ، ومن الطبيعي حينئذ أن ينقطع تصاعد هذه السلسلة ، وينتفي التسلسل.
ولنمثل ـ لتوضيح هذه الحقيقة ـ بنفس المثال الذي ضربناه ، أعني : مسألة حمل المتاع.
فلنفترض أنّ الأوّل قال : أنا سأحمل هذا المتاع لو ساعدني عليه الثاني.
وقال الثاني : أنا سأحمله لو ساعدني عليه الثالث.
وقال الثالث : وأنا سأحمله لو ساعدني عليه الرابع.
وهكذا قال الرابع فالخامس فالسادس ـ مثل ذلك الكلام ـ إلى ما لا نهاية ، فمن المعلوم أنّ حمل المتاع المذكور لن يتحقّق بالمرّة ما لم يكن في هذه السلسلة من لا يشترط حمل المتاع على شرط.