مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦ - الشعور الديني ليس وليد العوامل المحيطية
ولكن علينا أن لا نغفل عن نقطة مهمة وهي : أنّ هذا الإحساس ، وكذا بقية الأحاسيس والمشاعر الإنسانية لو لم تحط بالمراقبة الصحيحة والرعاية اللازمة أمكن ـ بل من المحتم ـ أن تعروها سلسلة من الانحرافات وتتعرض للاعوجاج كما هو الحال عند الوثنيين وغيرهم ممن تركوا عبادة الله ، وأخذوا بعبادة الآلهة.
٣. الشعور الديني ليس وليد العوامل المحيطيةعندما نجد الشعور الديني منتشراً وسائداً في كل مكان وكل صقع من هذا العالم ، وفي كل عصر من عصور التاريخ البشري ، فإنّ من البديهي أن نستنتج أنّ هذا الشعور نداء باطني فطري لا محرك له سوى الفطرة ، ولا مقتضي له سوى الجبلة.
لأنّه لو كان للظروف الجغرافية أو العوامل الأُخرى دخل في نشوء هذا الشعور ، لوجب أن يوجد في مكان دون مكان ، ولدى شعب دون شعب ، ولدى طبقة خاصة دون أُخرى.
وبتعبير آخر لوجب أن يكون هذا الشعور لدى من تتوفر لديه الظروف الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية الخاصة دون من لا تتوفر فيه تلكم الخصوصيات. في حين أنّ الأمر على العكس من هذا تماماً ، فالشعور الديني موجود في جميع المناطق ولدى جميع الشعوب وفي جميع أدوار التاريخ البشري الطويل .. وهذا هو بالذات شأن كل ما لا يخضع لتأثير العوامل الخارجية .. وبالتالي شأن كل أمر فطري.
وفي هذا الصدد يقول « بلورتاك » المؤرخ الإغريقي الشهير منذ نحو من ألفي سنة :