مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥٨ - التعاريف الثلاثة للعبادة
ففي هذه الآية جعل اعتقادهم بإلوهية غير الله هو الملاك للشرك ، والمراد هنا « الشرك في العبادة ».
وبمراجعة هذه الآيات ونظائرها التي تعرضت لموضوع الشرك وبالأخص لموضوع شرك الوثنيين تتجلى هذه الحقيقة ـ بوضوح تام ـ أنّ عبادتهم كانت مصحوبة مع الاعتقاد بإلوهيتها ، بل يمكن استظهار أن شركهم كان لأجل اعتقادهم بإلوهية معبوداتهم ، ولأجل ذاك الاعتقاد كانوا يعبدونهم ويقدّمون لهم النذور والقرابين وغيرهما من التقاليد والسنن العبادية ، وبما أنّ كلمة التوحيد تهدم عقيدتهم بإلوهية غيره سبحانه ، كانوا يستكبرون عند سماعه كما قال سبحانه :
( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) [١].
أي يرفضون هذا الكلام لأنّهم يعتقدون بإلوهية معبوداتهم ويعبدونها لأجل أنّها آلهة ـ حسب تصوّرهم ـ.
ولأجل تلك العقيدة السخيفة كانوا إذا دعي الله وحده كفروا به لأنّهم لا يحصرون الإلوهية به وإذا أشرك به آمنوا ، لانطباقه على فكرتهم كما قال سبحانه :
( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ ) [٢].
إلى هنا ظهرت الدعوى الأُولى بوضوح وجلاء.
وأمّا الدعوى الثانية فتدل عليها الآيات التي تأمر بعبادة الله ، وتنهى عن عبادة غيره ، مدللاً ذلك بأنّه لا إله إلاّ الله ، إذ يقول :
( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَالَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرَهُ ) [٣].
[١] الصافات : ٣٥.
[٢] غافر : ١٢.
[٣] الأعراف : ٥٩.