مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٠ - التعاريف الثلاثة للعبادة
وعلى الجملة فهذه الآيات لا تدل على أكثر من أنّ عبادتهم للأوثان كانت مصحوبة بهذا الاعتقاد أو ناشئة عنه.
وأمّا كون العبادة موضوعة للخضوع الناشئ عن الاعتقاد بالإلوهية ، بحيث يكون النشوء عن تلك العقيدة جزءاً لمعنى العبادة فلا يستفاد من الآيات.
وأمّا الجواب فنقول : إنّما يرد الإشكال لو قلنا بأنّ « الاعتقاد بالإلوهية » داخل في « مفهوم العبادة » وضعاً ، حتى يقال انّ هذه الآيات لا تعطي أزيد من أنّ العبادة من شؤون الإلوهية ، وهذا غير القول باندراج مفهوم الإلوهية في مفهوم العبادة ، إنّما المراد أنّ العبادة ليست مطلق الخضوع والتذلّل ، بل أضيق وأخص منهما وهذا أمر يعرفه كل إنسان بوجدانه وفطرته ، غير أنّنا نشير إلى هذه الخصوصية ونميز هذا الضيق بأنّه خضوع « ناشئ عن الاعتقاد بالإلوهية أو الربوبية » كما سيوافيك في التعريف الثاني ، لا أنّ هذه الجملة ( ناشئ عن الاعتقاد بالإلوهية والربوبية ) داخلة بتفصيلها في مفهوم العبادة ، ومعناها.
وبعبارة أُخرى : إنّ الإنسان قد لا يقدر على تعريف شيء بنوعه وفصله ، أو حدّه ورسمه حتى يحدّه تحديداً عقليّاً لا خدشة فيه ، ولكنّه يجد في نفسه ما هو بمنزلة الجنس والفصل فيضعهما مكان الجنس والفصل الواقعيين ، والأمر فيما نحن فيه كذلك ، إذ نجد أنّ التعظيم والخضوع والتذلّل وما أشبههما أمر مشترك بين العبادة وغيرها فيتصوّره بمنزلة الجنس لها ، ويجد أنّ العبادة تتميز بخصوصية عن غيرها ، ولكنه لا يقدر على بيان تلك الخصوصية بلفظ بسيط فيتوسل بوضع جملة مكانه وهي ما ذكرناها : « ناشئ عن الاعتقاد بالإلوهية » ويضعها مكان الفصل.
وبعبارة ثالثة : انّ الإنسان يجد أنّ « العبادة » ليست مطلق التعظيم ونهاية