مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٠٣ - شرائط المشرّع لا تتوفر هذه الشروط إلا في الله
( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) [١].
فالله الذي خلق جميع ذرات هذا العالم وركّب أجزاءه ولاءم بين مختلفاته ، هو الذي يعلم ـ علماً تاماً ـ أسرار ما خلق ، وهو الذي يعلم ما يصلح النفس الإنسانية وما يفسدها ، أحسن من غيره.
وهو بعلمه المطلق وإحاطته الواسعة أدرى من غيره بعلاقات الأفراد ، وأبعادها وآثارها ، ويعرف العناصر الصالحة لإقامة مجتمع صالح سعيد ، فهو أدرى من غيره بالقوانين التي تليق بالمجتمع الإنساني وتسعده ، هذا بالنسبة إلى الشرط الأوّل.
* * *
وأمّا الشرط الثاني ، أعني : تجرّد المشرّع عن أيّ نوع من أنواع الهوى والنفعية ، فلابد من الاعتراف بأنّه لا أحد هناك يتصف بهذه الصفة غيره سبحانه ، فهو الموجود الوحيد الذي لا نفع له في المجتمع الإنساني ليخشى عليه ويحرص على حفظه وصيانته عند سن القوانين.
فهو الذي تنزّه عن الغرائز ، في حين يتصف جميع أبناء البشر بحب الذات ـ التي تعتبر من أخطر آفات التشريع الصحيح ـ فهم مشدودون إليها رغم سعيهم للتخلّص من مخالبها ، ومتأثرون بها مهما حاولوا عدم الخضوع لسلطانها.
وقد أشار جان جاك روسو إلى هذه الحقيقة بقوله :
لاكتشاف أفضل القوانين المفيدة للشعوب لابد من وجود عقل يرى جميع الشهوات البشرية ، ولكن لا يجد في ذاته ميلاً نحوها ، عقل لا يرتبط بالطبيعة ولا
[١] الملك : ١٤.