مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩٠ - هل للرب معان مختلفة ؟
كانت تقابلهم جماعات كبيرة ممّن يعتقدون بتعدّد المدبّر والتدبير ، وهي قضية تستفاد من الآيات القرآنية مضافاً إلى المصادر المتقدمة.
هنا نلفت نظر الوهابيّين الذين يسمّون التوحيد في الخالقية بالتوحيد في الربوبية إلى الآيات التالية ، ليتضح لهم أنّ الدعوة إلى التوحيد في الربوبيّة لا تعني الدعوة إلى التوحيد في الخالقية ، بل هي دعوة إلى « التوحيد في المدبّرية » والتصرف ، وقد كان بين المشركين في ذلك العصر من كان يعاني انحرافاً وشذوذاً في التوحيد الربوبي ، ويعتقد بتعدّد المدبّر رغم كونه معتقداً بوحدة الخالق.
ولا يمكن ـ أبداً ـ أن نفسر الرب في هذه الآيات بالخالق والموجد ، وإليك بعض هذه الآيات :
أ. ( بَل ربُّكُمْ رَبُّ السَّمٰوَاتِ والأرضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ ) [١].
فلو كان المقصود من الرب هنا هو الخالق والموجد ، لكانت جملة ( الَّذِي فَطَرَهُنَّ ) زائدة بدليل أنّنا لو وضعنا لفظة الخالق مكان الرب في الآية للمسنا عدم الاحتياج ـ حينئذ ـ إلى الجملة المذكورة ، أعني : ( الَّذِي فَطَرَهُنَّ ) ، بخلاف ما إذا فسر الرب بالمدبِّر والمتصرف ، ففي هذه الصورة تكون الجملة الأخيرة مطلوبة ، لأنها تكون ـ حينئذ ـ علّة للجملة الأُولى ، فتعني هكذا : أنّ خالق الكون هو المتصرف فيه وهو المالك لتدبيره والقائم بإدارته.
ب. ( يَا أيُّهَا النَّاسُ اعْبُدْوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) [٢].
فإنّ لفظة الرب في هذه الآية ليست بمعنى « الخالق » ، وذلك على غرار ما
[١] الأنبياء : ٥٦.
[٢] البقرة : ٢١.