مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣٠ - هل الحياة والموت تعدّان حداً للتوحيد والشرك ؟
انّ الاستغاثة بالحي يعد من أشد ضروريات الحياة الاجتماعية البشرية ، ومما به قوامها.
وإليك فيما يلي نبذة أُخرى من كلام ابن تيمية في هذا الصدد ، فهو يقول :
« والذين يدعون مع الله آلهة أُخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق ، أو تنزل المطر وإنّما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم ، أو يعبدون صورهم يقولون ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زلفى ، أو هؤلاء شفعاؤنا » [١].
إنّ قياس الاستغاثة بأولياء الله بما كان يقوم به المسيحيون والوثنيون ابتعاد عن الموضوعية ، لأنّ المسيحيين كانوا يعتقدون في حق المسيح بنوع من الإلوهية ، وكان الوثنيون يعتقدون بأنّ الأوثان تملك بنفسها مقام الشفاعة ، بل كان بعضهم ـ على ما نقل ابن هشام ـ يعتقد بأنّها متصرفة في الكون ، ومرسلة الأمطار [٢] ـ على الأقل ـ ، ولأجل هذا الاعتقاد كان طلبهم واستغاثتهم بالمسيح وبتلك الأوثان عبادة لها.
فعلى هذا إذا كانت الاستغاثة مقرونة بالاعتقاد بالوهية المستغاث كانت شركاً حتماً ، وأمّا إذا كانت الاستغاثة ـ بالحي أو الميت ـ خالية وعارية عن هذا القيد لم تكن شركاً ولا عبادة بل استغاثة بعبد نعلم أنّه لا يقوم بشيء إلاّ بإذنه سبحانه.
نعم يجب في موارد الاستغاثة بالموتى أن نبحث في فائدة مثل هذه الاستغاثة وعدم فائدتها ، لا في كونها شركاً وعبادة لغير الله ، والكلام إنّما هو في الثاني دون الأوّل.
[١] المصدر السابق : ١٦٧.
[٢] راجع قصة عمرو بن لحي المذكورة في ص ٣٨٢ من هذا الكتاب.