المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٨٥ - الكلام فيما إذا كان النزاع صغروياً
الأوّل ـ العثور على ملاكات الأحكام:
اتّفقت العدلية على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، خلافاً للأشاعرة فإذا وقف العقل على أنّ الصدق في مقام ضارٌّ لاستلزامه هلاك إنسان وأنّ الكذب نافع لاستلزامه نجاته، يستكشف من حديث التبعية حرمة الأوّل ووجوب الثاني، وربّما يردّ هذا الوجه تارة بإنكار الضابطة المسلّمة عند العدلية وأُخرى بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد ولو في نفس الأمر والنهي، ولكنّ الأوّل ضئيل جدّاً لاستلزامه كون إرادته سبحانه إرادة جزافية والثاني لا يضرّ بالمقام، لأنّه إذا كان وجود المصلحة والمفسدة في نفس الأمر والنهي كافياً في تشريع الحرمة والوجوب، فكونهما في المتعلّق يكفي بطريق أولى.
نعم الذي يردّ هذا الوجه هو عدم إحاطة العقل بالمصالح والمفاسد والمزاحمات والموانع، لقصوره عن الإحاطة. ويشهد على ذلك: أنّ المندوبين الخبراء يضعون قوانين في مجلس الشورى ثمّ يظهر بعد فترة من الزمان أنّ المصلحة كانت في خلافه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قصور الإنسان عن الإحاطة بالمصالح والمفاسد، وإلى ذلك ينظر قول الإمام الصادق (عليه السَّلام) : «ليس شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال» أو : «إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس»[ ١ ].
نعم يصح للخبراء وضع قوانين حكومية مؤقتة تلو الوقوف على مصالح ومفاسد، لا أحكاماً دائمية غير قابلة للنسخ حتى لو تبيّـن الخلاف.
الثاني: أن يستكشف الحكم الشرعي من استقلال العقل بالحسن والقبح، فإذا استقلّ العقل بحسن حفظ النظام وقبح تكليف غير المميز أو المعدوم أو من
[١]الكافي: ج١، كتاب فضل العلم، باب البدع، الحديث ٧.
والوسائل: ج١٨، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١٨.