المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٧٥ - الأمر الخامس الموافقة الالتزامية
ولكن أتى بالعمل لأغراض دنيوية، ولكن الاكتفاء بمجرد العمل في هذا القسم لا يُعنى عدم وجوب التسليم والانقياد للّه سبحانه في مجاله، بل يُعنى أنّه لا يجب وراء ذلك شيء (التسليم) ـ على وجه الإجمال ـ في مقام العمل، سوى نفس الإيجاد، وأنّه يكفي أن يكون الباعث الأغراض الدنيوية، بخلاف القربيات، فيجب فيها وراء الانقياد القلبي الإجمالي، ووراء نفس الإيجاد ، الإتيان به بباعث إلهي.
٣ـ إنّ عقد القلب على الوجوب والحرمة رهن حصول مبادئ ومقدمات تورث ذلك العقد، ولولاها لما أمكن لمتشرّع أن يعتقد بوجوب شيءأو حرمته. فعقد القلب بوجوب شيء، وإن كان أمراً اختيارياً، لأجل اختيارية مبادئه، لكنّه ليس قابلاً للأمر والنهي، قبل حصول مبادئه أو بعدها. أمّا قبل حصولها فالامتناع واضح، وأمّا بعد تحقق المبادئ يكون قهري الحصول، فلو فرض ورود أمربه، فمعناه تحصيل ما يورث ذلك من الحجج والبراهين التي تورث اليقين،وبعبارة أُخرى: المقصود من الأمر بالمسبب (عقد القلب) هو تحصيل سببه.
ولأجل ذلك لو لم يكن هناك علم تفصيلي بالحكم سواء كان هناك علم إجمالي أو لا ولم يتمكّن المكلف من كشف الواقع، لا يصحّ بعث المكلّف إلى عقد القلب بالحكم الإلهي لعدم حصول مقدّماته.
وإلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه: (فَلَمّـا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبصِـرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ * وَجَحَدُوا بها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدينَ)(النمل/١٣ـ١٤).
والآية تفيد أمرين:
أ: أنّ قيام الحجج والبراهين الواضحة يورث العلم بالواقع سواء أراده الإنسان أم لم يرده كما يقول: (واستيقنتها أنفسهم) .