المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٤٩٠ - التنبيه الثاني في خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء
والآباء وكان الهدف استناد الترك أو الفعل إلى نهيه وأمره، ولكن تلك الغاية لا تحصل إذا كان الرجل منزجراً بالذات عن الفعل، أو معطوفاً ومجلوباً إلى العمل لأجل العاطفة حتّى أنّه لو أراد أن يكون تركه وفعله مستندين إليهما لا يتحقق ذلك.
وثانياً: أنّ هذا الغرض لا يخلو إمّا أن يكون لازم الرعاية في حصول الإطاعة وتحقق الامتثال أو لا، فعلى الأوّل يختلّ تقسيم الأوامر إلى تعبّديّة وتوصّلية، وتصبح الأوامر التوصّلية كلّها تعبّدية أو قربية، وعلى الثاني لا يكون متحققاً فيما إذا كان هناك باعث وزاجر فطري، فيكون اتخاذه غرضاً عاماً لجميع الأوامر والنواهي، أمراً لغواً لعدم تحقّقه إلاّ في قسم خاص لا في جميع الأقسام.
وثالثاً: أنّ قوله: (وما أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللّه) ورد في موضعين في الذكر الحكيم بأدنى اختلاف أحدهما: قوله تعالى: في سورة التوبة الآية ـ ٣٠ وهو: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابَاً مِنْ دُونِ اللّهِ وَالمَسيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِروا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلهَاً واحِدَاً لا إِلهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّـا يُشْـرِكُونَ) وثانيهما: قوله سبحانه في سورة البينة الآية ـ ٥ وهو : (وَما أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدّينَ حُنَفاءَ وَيُقيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذَلِكَ دينُ القَيَّمةِ) .
والآية الأُولى: ناظرة إلى شرك اليهود والنصارى وردّ عليهم، حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه. والآية الثانية: ردّ على المشركين حيث عبدوا الأوثان والأصنام ولم يخلصوا الدين وهو الطاعة في المقام له، بل: نحتوا له شريكاً في الطاعة.
وعلى ذلك فالآيتان أجنبيتان عن ما ذكره صاحب المصباح من أنّ الغرض من جميع الأوامر ـ من الطهارة إلى الديات ـ هو التعبّد والتقرّب بها بل الحصر فيهما إضافي، أي أنّ هؤلاء لم يؤمروا في مجال العبادة (لا في كلّ مورد) إلاّ بعبادة اللّه