المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٢٢٠ - الأول الاستدلال بالكتاب على عدم حجّية خبر الواحد
يلاحظ عليه ـ بما عرفتـ: أنّ دلالة الآيات بل الظواهر مطلقاً على المعاني الاستعمالية، قطعيّة لا يعتريه شك، فليست دلالتها على الزجر عن الاقتفاء بمظنون بل مقطوع.
كيف وقد وصفه القرآن بقوله: (ذلك ممّا أوحى إليكَ ربُّكَ مِنَ الحِكْمَة) والمراد منها هو الكلام المحكم الذي لا يقبل التزلزل والتزعزع ولا البطلان ولاالخلاف، وما هذا شأنه لا يمكن أن يعدّ من المداليل الظنية. وبذلك يظهر ضعف ما أفاده الرازي في تفسيره حيث قال: لو دلّت على أنّ التمسك بالظن غير جائز لدلّت على أنّ التمسك بها غير جائز، فالقول بحجيّتها يقتضي نفيها وهو غير جائز [ ١ ].
وهناك أجوبة أُخرى غير تامة فمن أراد فليراجع إلى محالها، وأمّا وجه الصلة بين صدر الآية وذيلها، أعني: قوله: (إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسؤولا) فبوجهين:
١ـ لا يصح لمؤمن أن يقفو أثر غير العلم، ويتّبع الظن، فيدّعي السماع والرؤية، مع أنّه لم يسمع ولم ير، وإنّما ظنّ بهما إذ يوم القيامة يسئل عن هذه الأدوات، فعندئذ تشهد على خلاف شهادته، ورميه، قال سبحانه: (وما كُنتُمْ تَستَتِرُونَ أنْ يَشهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أنّ اللّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعمَلُون) (فصّلت/٢٢).
نعم شهادة الأعضاء لا تنحصر في هذا الفرع بل دائرتها أوسع من ذلك.
٢ـ ما كان لمؤمن أن يتّبع غير العلم فيتمسك بأُمور واهية لا أساس لها، مع أنّه سبحانه جهّزه بأدوات توصله إلى الواقع، وتريه محيى الحقّ، فعليه إعمالها حتى يقضي في المبصرات بالبصر، والمسموعات بالسمع، والعقليات بالفؤاد لا بالأوهام
[١]مفاتيح الغيب: ٢٠/٢١٠.