المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ١١٢ - في المحاذير الملاكيّة
قلت: إنّ إيجاب تحصيل العلم أو العمل بالاحتياط إلى درجة لا يلزم العسر، لا يدخل تحت ضابطة معينة بل يصير نفس هذا التكليف أمراً موجباً للعسر، فاكتفى من أوّل الأمر بالأمارات التي لا تقصر في الإتقان والإصابة عن العلوم القطعية التي يُحصِّلها المكلّف في بعض الأحايين، إذ ليس كلّ قطع مطابقاً للواقع، كما أنّه ليس كلّ ظنّ مخالفاً له، نعم ردع الشارع بعض الظنون (القياس) التي لا تلائم روح الشريعة الإسلامية المبنيّة على جمع المختلفات ورفض المجتمعات.
ثمّ إنّ هذا الجواب مبنيّ على حجّية الأمارات من باب الطريقية، وأنّه لا مصلحة في العمل بالأمارة سوى مصلحة الواقع، وأمّا على القول بالسببيّة، وأنّ قيام الأمارة تحدث مصلحة في المؤدّى ، فالإشكال ساقط من رأس لانجبار المصلحة المفوّتة أو المفسدة الملقاة فيها بالمصالح المستحدثة في مؤدّى الأمارة.
غير أنّ القول بالسبييّة (حدوث المصلحة في المؤدّى عند قيام الأمارة) لمّا كان ساقطاً عند الإمامية، التجأ الشيخ إلى المصلحة السلوكية وأسماه المحقّق النائيني بالتصويب الإمامي [ ١ ].
وما ذكره الشيخ من المصلحة السلوكية يكفي في رفع الإحالة التي ادّعاها ابن قبّة من تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، ولكن الشيخ لم يفسّـر المصلحة السلوكية فهي تحتمل أحد أمرين:
١ـ الاكتفاء بالأمارة في مقام الامتثال، آية المرونة والسهولة، وهما يلازمان، لإقبال الناس إلى الدين وعدم خروجهم عنه كما أوعزنا إليه.
٢ـ أنّ العمل بالأمارة يوجب ترويج العلم ونقل الأحاديث وتكريم الرواة
[١]قسّم المحقق النائيني القول بحدوث المصلحة في المؤدّى إلى: التصويب الأشعري والتصويب المعتزلي، ولم يذكر لقوله مصدراً من كتب الأشاعرة والمعتزلة، مع أنّ المعروف من الأشاعرة عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.