الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٧٢
على حالها لا تتغيّر ولا تتبدّل، فلا يصبح الحرام حلالًا باستفتاء شعبي، ولا الواجب مباحاً كذلك؛ لأنّ المشرّع الحقيقي هو اللَّه تعالى، قال سبحانه: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِيناً» [١].
ولا يعارضه قوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» [٢]؛ لظهوره في غير ما تدخل به الشرع، فتكون الآية الاولى مقيّدةً- على تقدير إطلاق الثانية- لإطلاقها.
أمّا في غير هذه الدائرة فلا يحظر الشرع ممارسة اسلوب الانتخاب بالتوافق انطلاقاً من المصالح العامة والموازين الشرعية، فللعمّال أن يتواضعوا فيما بينهم على انتخاب رئيس لهم يتّفقون معه ما دام هذا الأمر لا يختلف مع أيّ حكم شرعي إلهي، وإنّما هو تدبير إداري وزمني يخضع لنظام المصلحة؛ استناداً في ذلك كلّه إلى عمومات الوفاء بالعقود وأصالة البراءة.
وانطلاقاً من ذلك يمكن فتح مجال نظام الانتخابات بشرطين اثنين:
الأوّل: أن لا يؤدّي ذلك إلى مخالفة نصّ شرعي، وبهذا تمتاز الدولة الإسلامية عن الدولة الديمقراطية الليبرالية التي تعتقد أنّه لا يوجد نصّ فوق رأي الشعب.
الثاني: وهو يرجع في روحه إلى الأوّل، ومحصّله أن لا يكون الانتخاب مؤدّياً إلى تسلّم شخص مسؤوليةً ما ورد في الشرع عدم حقّه في استلامها، أو يؤدّي إلى سلب صاحب الحقّ حقّه الثابت له في الشريعة، فلو نصّت الشريعة على أن يكون حاكم المسلمين- مثلًا- فقيهاً عادلًا، بحيث لا يحقّ لغيره تسنّم هذا المنصب، فإنّ انتخاب الناس لغيره لا يصيّره الحاكم الشرعي للمسلمين، ما لم يمضه الحاكم الشرعي الحقّ. نعم، قد يجوز التعامل معه وفقاً للعناوين الثانوية.
وبهذا يكون النظام الإسلامي جامعاً بين الهوية الدينية والهوية الشعبية في الدائرة التي يحقّ للشعب فيها ذلك.
(انظر: حكومة، دولة، ولاية)
[١] الأحزاب: ٣٦.
[٢] الشورى: ٣٨.