الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ١٦٥
بالمعروف مع كون الغير مؤتمراً، فإنّ ذلك لغو عقلائياً.
يضاف إلى ذلك دلالة الآية القرآنية المتقدّمة على التبعيض، فإنّ هذا التبعيض- كما ذكر بعض الفقهاء المعاصرين- يوجب رفع اليد عن دلالة هذه الروايات على الوجوب على الجميع [١]؛ لظهور الآية في نفس الوجوب عن الكلّ بالمفهوم المستظهر من القرائن، بل السيرة المتشرعية تؤيّد ذلك أيضاً، أي الكفائية وعدم العينية [٢].
من هنا ذكر بعض الفقهاء أنّ العموم الاستغراقي المقتضي لثبوت التكليف على كلّ فرد فرد غير ظاهر من الأدلّة هنا، بل الظاهر هو العموم البدلي من طبيعي المكلّف المختلف في كلّ فرد من أفراد المعروف والمنكر بحسبه [٣].
ونظراً لوضوح هذا الأمر يحتمل أن يكون مقصود القائلين بالوجوب العيني هنا عدم سقوط الوجوب عن الآخرين إذا لم يأتمر بالمعروف أو لم ينته عن المنكر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأوّل، وليس مقصودهم عدم السقوط حتى إذا عمل بالمعروف وانتهى عن المنكر، وهذا ما يظهر من القول الثالث.
القول الثالث: التفصيل بين ما لو أثّر كلام المكلّف الأوّل الذي أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو كفائي ولا يجب على غيره، وبين ما لم يؤثّر فيجب على غيره أيضاً إلى أن يحصل المطلوب، وهو تفصيلٌ ذهب إليه القاضي ابن البرّاج، حيث قال: «وربما كان ذلك فرضاً على الكفاية، وربّما تعلّق بالأعيان، فأمّا كونه فرضاً على الكفاية فمثل أن يأمر بعض المكلّفين بمعروف أو ينهى عن منكر، فيؤثّر أمره أو نهيه في ذلك، فيقع المعروف أو يرتفع المنكر، فسقط الوجوب عن الباقين، فأمّا ما يتعلّق بالأعيان فأن يأمر بمعروف أو ينهى عن المنكر، فلا يؤثّر أمره ولا نهيه فيما أمر به ونهى عنه ولا غيره على الوجه الانفراد والوحدة دون الباقين، فيكون فرضاً على الأعيان، فيجب على كلّ واحد من المكلّفين، كما يجب على غيره منهم إلى أن يحصل المعروف أو يرتفع المنكر، فإذا كان كذلك سقط الفرض عن الجميع.
هذا مع تمكّن الجماعة من ذلك، [وأمّا] إن اختصّ التمكّن ببعض المكلّفين دون بعض آخر منهم، فإنّ فرض ذلك لازم للمتمكّنين دون من ليس بمتمكّن» [٤].
وقال الشهيد الأوّل: «واعلم أنّه ليس المراد بوجوبهما عيناً وجوبهما بعد تأثير الإنكار؛ لفقد الشرط وهو إصرار العاصي، بل وجوب مبادرة الكلّ إلى الإنكار وإن علم قيام غيره مقامه، وهذا هو الأصحّ» [٥].
وقال المحقّق الكركي: «ولا محذور [في الوجوب العيني]؛ لأنّ الواجب على الجميع المبادرة إلى الأمر والنهي، ولا يكفي بعض عن بعض، فلو تخلّف بعض كان آثماً وإن حصل المطلوب بالبعض
[١] مباني المنهاج ٧: ١٤٤.
[٢] مباني المنهاج ٧: ١٤٤- ١٤٥.
[٣] انظر: الصلاة (النائيني، تقريرات الكاظمي) ١: ٢٧٤- ٢٨١. المحاضرات ٤: ٥٥.
[٤] المهذب ١: ٣٤٠.
[٥] غاية المراد ١: ٥٠٧.