الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٢٣
بل يمكن الاستدلال بأنّ القدر المتيقّن من الأمر والنهي هو الأمر والنهي اللسانيّان، فتدلّ الأدلّة عليهما، علماً أنّ الانتقال إلى المرتبة الأعلى قد يصاحبه عادة محذور حرمة بعض التصرّفات غير الضرورية مع المسلم كإهانته أو التشدّد معه، فيقع التعارض أو التزاحم بين دليل الأمر بالمعروف ودليل حرمة أذيّة المؤمن، وحيث يمكن تحقيق متعلّق الأوّل بدون معارضة الثاني ولا مزاحمته فيتعيّن الجمع بين الدليلين أو الامتثالين بالأخذ بالمرتبة الأيسر، ولعلّه لهذا حصل تسالم على هذا الترتيب في كلمات الفقهاء.
ثمّ إنّه على القول بوجوب العمل على الأيسر فالأيسر بين المرتبة الاولى والثانية وكذا بين مراتبها، فلو علم عدم تأثير ما ذكر انتقل إلى التحكّم بالأمر والنهي، ويجب أن يكون من الأيسر في القول إلى الأيسر مع احتمال التأثير، كما هو مقتضى تصريح الفقهاء على أنّ دفع المنكر وإقامة المعروف بأيّة وسيلة ممكنة إنّما يكون بالأيسر فالأيسر، ولا يجوز التعدّي، سيّما إذا كان المورد ممّا يهتك الفاعل بقوله؛ لحرمة الهتك والإيذاء إلّابقدر الضرورة فتقدّر بقدرها، كما قلنا [١].
ولو كان بعض مراتب القول أقلّ إيذاءً وإهانة من بعض ما ذكر في المرتبة الاولى يجب الاقتصار عليه، ويكون مقدّماً على ذلك، فلو فرض أنّ الوعظ والإرشاد بقول ليّن ووجه منبسط مؤثّر أو محتمل التأثير، وكان أقلّ إيذاءً من الهجر والإعراض ونحوهما، لا يجوز التعدّي منه إليهما، والأشخاص آمراً ومأموراً مختلفون جدّاً، فربّ شخص يكون إعراضه وهجره أثقل وأشدّ إيذاءً وإهانة من قوله وأمره ونهيه، فلابدّ للآمر والناهي ملاحظة المراتب والأشخاص، والعمل على الأيسر ثمّ الأيسر [٢].
ولو فرض تساوي بعض ما في المرتبة الاولى مع بعض ما في المرتبة الثانية لم يكن ترتيب بينهما بل يتخيّر بينهما؛ لعدم ورود ترتيب تعبّدي في النصوص للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ورد في
[١] انظر: تحرير الوسيلة ١: ٤٣٨- ٤٣٩، م ١، ٣.
[٢] تحرير الوسيلة ١: ٤٣٩، م ٦.