الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٥٨
ذي آلام شديدة مستمرة يصعب تحمّلها مع علمه بأنّ نتيجته الموت بعد مدّة طويلة أو قصيرة.
فيقع البحث حول حكم هذا الشخص في هذه الصور المختلفة إذا اختار أو لجأ إلى القتل الأسهل تخلّصاً من الفرد الأصعب منه، فهل يعتبر منتحراً أم لا؟
أمّا صورة التهديد بالقتل الأصعب فسيأتي البحث عنها عند البحث عن مسألة الإكراه على الانتحار.
وأمّا باقي الصور كما في حالة إلقائه في نار متأجّجة فيقفز منها إلى الماء وهو يعلم أنّه سيغرق، فهنا لم يتعرّض الفقهاء إلى حكمه من الناحية التكليفية، وإنّما تعرّضوا له من حيث الضمان حيث قووا الضمان على الملقي له في النار؛ لأنّه السبب الأصلي لموته، فإنّ من ألجأه إلى إلقاء نفسه في الماء هو فعل الملقي له في النار، قال العلّامة الحلّي: «ولو لم يمكنه الخروج إلّا إلى ماء مغرق فخرج ففي الضمان إشكال، ولو لم يمكنه إلّابقتل نفسه فالإشكال أقوى، والأقرب الضمان؛ لأنّه صيّره في حكم غير مستقرّ الحياة» [١]. ونحوه الشهيد الثاني في الروضة [٢]، والفاضل الأصفهاني في كشف اللثام [٣].
وكذلك لا يعتبر منتحراً أيضاً في صورة ما إذا داهمته النار ففرّ منها برمي نفسه من شاهق أو ألقى نفسه في الماء فمات، فهو لم يقتل نفسه عمداً بل فرّ من النار التي داهمته تخلّصاً من الحرق الشديد إلى الماء اضطراراً.
نعم، قتل المريض نفسه تخلّصاً من المرض العضال الذي أصابه وتعجيلًا لموته بدلًا من مكافحته للآلام التي يسببها المرض- مهما كانت شدّتها- يصدق عليه عنوان الانتحار وتترتّب عليه الآثار المتقدّمة الذكر، حيث ورد في الأدلّة ما يمكن تطبيقه على هذه الصورة، كرواية ناجية عن أبي جعفر عليه السلام- في حديث- أنّه قال: «إنّ المؤمن يبتلى بكلّ بليّة ويموت بكلّ ميتة، إلّاأنّه لا يقتل نفسه» [٤].
[١] القواعد ٣: ٥٨٥.
[٢] الروضة ١٠: ٢١.
[٣] كشف اللثام ١١: ٢٠.
[٤] الوسائل ٢٩: ٢٤، ب ٥ من القصاص في النفس، ح ٣.