الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢١٢
ومقتضى رعاية ملاكات الأحكام ومصالحها، واختلاف مراتب الضرر، ومراتب المنكر أن يعامل الدليلين معاملة التزاحم فيقدم الأهم منهما ملاكاً، فلربما يريد أحد قتل واحد أو جماعة أو التجاوز على امرأة مسلمة محترمة- مثلًا- ويكون نهيه وردعه موجباً لخسارة ما على الناهي، فهل يمكن القول بعدم وجوب النهي عن المنكر حينئذٍ؟!
وربما يكون المنكر منكراً فظيعاً يتجاهر به ويكون في معرض السراية إلى المجتمع وربما يفسد المجتمع بسببه، أو يكون المرتكب له ذا شخصية اجتماعية أو دينية يقتدي به الناس طبعاً، أو يكون عمله موجباً لهدم أساس الدين، أو يريد بعمله تغيير قانون من قوانين الإسلام أو تحريفه، أو يريد إقامة السلطة الظالمة الغاصبة على شؤون المسلمين وسياستهم واقتصادهم وثقافتهم، ونحو ذلك من الامور المهمّة التي لا يجوز السكوت في قبالها، وكان الناهي ممّن يقبل قوله، أو يوجب إقدامه ونهيه لا محالة وحشة المرتكب أو خفّته أو التزلزل في وضعه الاجتماعي، فهل لا يجب النهي والردع بظن ضرر مالي أو حبس أو تضييق أو نحو ذلك؟! يشكل جدّاً الالتزام بذلك.
وبهذا يجمع بين ما تقدّم وبين أدلّة نفي الإكراه والضرر والحرج.
هذا، مضافاً إلى دلالة روايات كثيرة على وجوب الإقدام والقيام في قبال المنكر والفساد ولو ترتّب عليه ضرر أو شدة، ومنها:
١- خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«يكون في آخر الزمان قوم يُتَّبع فيهم قوم مراؤون يتقرّؤون ويتنسّكون، حدثاء سفهاء لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلّاإذا أمِنوا الضرر، يطلبون لأنفسهم الرُخص والمعاذير، يَتَّبعون زلّات العلماء وفساد عملهم، يَقبلون على الصلاة والصيام وما لا يَكْلِمُهُم في نفس ولا مال، ولو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها... فأنكروا بقلوبكم وألفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في اللَّه لومة لائم» [١]).
[١] الكافي ٥: ٥٥- ٥٦، ح ١. وانظر: الوسائل ١٦: ١١٩، ب ١ من الأمر والنهي، ح ٦.