الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٦١
الانتحار إلّاأنّه حال مانع دون تحقّق قصده ولم يمت نتيجة لذلك المانع، حيث يقال:
إنّه لا خلاف في استحقاقه الإثم حيث إنّه تجرّأ وأقدم على قتل نفسه وإن لم يتحقّق الانتحار بالفعل، وعليه لابدّ له من التوبة إلى اللَّه من هذا الفعل كي يدفع عنه العقاب الاخروي.
وفي بعض الأنظمة الوضعية هناك من يعتبر الشروع في الانتحار جنحة أو جناية، أمّا تطبيق القانون على الجاني حين يفشل في قتل نفسه فنادر جدّاً [١].
خامساً- الإكراه على الانتحار:
لو اكره شخص على قتل نفسه، فهل يجوز له قتل نفسه أم لا؟
الظاهر أنّه لا إشكال في أنّه لا يتحقّق الإكراه ولا يجوز الإقدام فيما إذا كان ما توعّد به دون القتل كما صرّح بذلك الفقهاء في مسألة الإكراه على قتل الغير؛ إذ لا يظهر الفرق بين المقامين، وإنّما الكلام فيما إذا توعّده بالقتل، والمعروف بين الفقهاء في تلك المسألة عدم الجواز للروايات النافية للتقية في الدماء، ولعدم رافعية الإكراه حرمة قتل الغير لورودها مورد الامتنان، وأمّا في هذه المسألة فيقوى الإشكال ويشتدّ عمّا هو عليه في الإكراه على قتل الغير، من جهة الفائدة من امتثال هذا الأمر المكره عليه وعدمه؛ لأنّ نتيجته قتل نفسه فلا معنى للاضطرار في هذا الحال، وإلى هذا الأمر أشار بعض الفقهاء، قال الشهيد الثاني: «لو أكرهه على قتل نفسه، بأن قال: اقتل نفسك وإلّا قتلتك، فقتل نفسه، ففي وجوب القصاص على المكرِه وجهان، منشؤهما أنّ الإكراه هل يتحقّق للعاقل على هذا الوجه أم لا؟
أحدهما: نعم، فيجب القصاص على المكرِه؛ لأنّه بالإكراه على القتل والإلجاء إليه قاتل له. وأظهرهما: المنع، وأنّ ذلك ليس بإكراه حقيقة؛ لأنّ المكرَه من يتخلّص بما امر به عمّا هو أشدّ عليه، وهو الذي خوّفه المكرِه به، وهنا المأمور به القتل والمخوّف به القتل، ولا يتخلّص بقتل نفسه عن القتل، فلا معنى لإقدامه عليه، فظهر بذلك رجحان عدم تحقّق إكراه العاقل عليه» [٢]، وإليه ذهب المعظم [٣].
نعم، قد يقع الكلام فيما لو كان التخويف بقتل أشدّ وأصعب من النوع الذي يقتل به المكرَه نفسه، فهنا قد يقال بتحقّق الإكراه على قتل النفس [٤].
قال الشهيد الثاني: «نعم، لو كان التهدّد بقتل أشدّ ممّا يقتل به المكره نفسه- كقتل فيه تعذيب- اتّجه تحقّق الإكراه حينئذٍ؛ لأنّ المكره يتخلّص بما أمر به عمّا هو أشدّ عليه، وهو نوع القتل الأسهل من النوع الأشقّ» [٥].
ولكن قد يناقش فيه بأنّ هذا الاعتبار لا يسوّغ قتل النفس المنهي عنه، قال المحقّق النجفي: «وقد يناقش بأنّ ذلك لا يقتضي جواز قتله لنفسه المنهي عنه، فلا حكم لإكراهه المزبور، وحينئذٍ يكون المباشر أقوى من السبب، واحتمال الجواز
[١] المعجم القانوني ١: ٦٢.
[٢] المسالك ١٥: ٩٠.
[٣] الإرشاد ٢: ١٩٧. مجمع الفائدة ١٣: ٤٠٥. جواهر الكلام ٤٢: ٥٤. وانظر: التحرير ٥: ٤٢٦.
[٤] كشف اللثام ١١: ٣٦.
[٥] المسالك ١٥: ٩٠.