الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٧٥
كان معنى ذلك التعبّد بحكمين متماثلين، أحدهما واقعي والآخر ظاهري، ومجرّد الاختلاف بينهما في المرتبة لا يغيّر من واقع الأمر شيئاً.
فإذا كانت الصلاة واجبةً واقعاً ودلّ الخبر الآحادي على وجوبها، وكان حجّةً، ثبت الوجوب الظاهري ببركة الخبر إلى جانب الوجوب الواقعي الثابت من الأوّل، واجتماع وجوبين من اجتماع المتماثلين، وهو محال.
أمّا إذا لم يطابق مؤدّى الأمارة الحكم الواقعي فإنّ معنى ذلك أنّ الصلاة واجبة واقعاً، لكنها صارت بالأمارة الدالّة- مثلًا- على حرمتها حراماً، فاجتمع الوجوب والحرمة، وهما متضادّان لا يجتمعان، وهذا ما يعرف بشبهة التضاد.
٢- ما يسمّى بشبهة نقض الغرض، وحاصلها: أنّ صلاة الفجر إذا كانت واجبةً مثلًا، ثمّ جاء خبر آحادي دالّ على وجوبها، فإنّ القول بحجّيته وجعل الحكم الظاهري في مورده معناه أنّ المولى قد نقض غرضه؛ لأنّ غرضه تحصيل العبد للمصلحة الموجودة في صلاة الفجر، لكنه بسماحه له بالأخذ بالظن الآتي من خبر الواحد يكون قد فوّت عليه مصلحة صلاة الفجر الواقعية، ونقض الغرض مخالف للحكمة الإلهية، فيقبح صدوره من الحكيم تبارك وتعالى [١].
ولحلّ هذه الإشكالات طرح علماء الاصول عدّة نظريات لتبرير التعبّد بالظن، وأهمّها:
أ- نظرية المصلحة السلوكية التي دافع عنها الشيخ الأنصاري، وحاصلها: أنّ قيام الظن المعتبر على أمرٍ ما يجعل مصلحةً في اتّباعه، فنفس اتّباع الظن المعتبر يحقّق مصلحةً حقيقية، وهذه المصلحة تجبر الذي فات من مصلحة الواقع، وبهذا لا ينقض المولى غرضه.
كما لا يوجد تضاد بين الأحكام؛ لأنّ الحكم الواقعي انصبّ على شيء والظاهري
[١] انظر: القوانين ٢: ٤١٦- ٤١٧. الفصول الغروية: ٢٧١. فوائد الاصول ٣: ٨٩، ٩٩- ١٠٠. نهاية الأفكار ٣: ٥٧- ٥٩. بحوث في علم الاصول ٤: ١٨٨- ١٨٩. مصباح الاصول ٢: ٩١- ٩٢.