الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢١١
ومنها: قوله عليه السلام أيضاً في خبر مفضّل ابن يزيد، قال: قال لي: «يا مفضّل، من تعرّض لسلطان جائر فأصابته بليّة لم يؤجر عليها، ولم يرزق الصبر عليها» [١]. وغير ذلك من النصوص.
وقد يناقش- بغضّ النظر عن مناقشة بعض الفقهاء في أسانيد بعض هذه الروايات [٢]- في هذه الأدلّة بأنّ التعارض بينها وبين ما دلّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وجه.
واجيب عنها:
أوّلًا: بأنّ مورد جملة منها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يمكن خروجه عنها.
نعم، هو كذلك بالنسبة إلى نحو قوله تعالى: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [٣]، وقول أبي عبد اللَّه عليه السلام في خبر عقبة بن خالد: «لا ضرر ولا ضرار» [٤]، ونحوهما.
وثانياً: بأنّ من التخصيص في السابقة يعلم الرجحان حينئذٍ في هذه العمومات، خصوصاً بعد ملاحظة غير المقام من التكاليف التي تسقط مع الضرر كالصوم ونحوه [٥].
وثالثاً: بأنّ مثل هذه الأدلّة حاكمة على الإطلاقات والعمومات، فلا وجه لتوهّم التعارض، ثمّ ملاحظة الترجيح بينهما [٦].
هذا، ولكن لو كان الموضوع ممّا يهتمّ به الشارع كحفظ نواميس المسلمين أو محو آثار الإسلام ومحو حجّته بما يوجب ضلالة المسلمين أو إمحاء بعض شعائر الإسلام كبيت اللَّه الحرام وأمثال ذلك، فإنّه لابدّ من ملاحظة الأهمّية، ولا يكون مطلق الضرر ولو النفسي موجباً لرفع التكليف؛ لأنّ أهمّية تلك الامور عند الشارع بمثابة لا يرفع بالحرج والضرر [٧].
وكذا لا يلاحظ الضرر والحرج لو وقعت بدعة مضلّة في الإسلام، بل يجب إنكارها، وإقامة الحجّة على بطلانها؛ لأنّه لا منكر أعظم في نظر الشارع من هتك حرمة الإسلام وتضعيف عقائد المسلمين، فيجب على علماء الدين الإنكار بأيّة وسيلة ممكنة [٨].
ومن هنا ذهب عدّة من الفقهاء إلى جعل المقام من باب المزاحمة وأدخل الضرر ونحوه مع الأمر والنهي مدخل التزاحم، فيجب تقدّم الأهم وإن كان فيه ضرراً [٩].
واستدلّوا له:
أوّلًا: بأنّه ليس الغرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحصيل المثوبة مثلًا، بل هما شرعاً مفهوم وسيع لإصلاح المجتمع وقطع جذور المنكر والفساد.
[١] الوسائل ١٦: ١٢٧- ١٢٨، ب ٢ من الأمر والنهي، ح ٣.
[٢] مباني المنهاج ٧: ١٥١.
[٣] الحج: ٧٨.
[٤] الوسائل ٢٥: ٤٢٩، ب ١٢ من إحياء الموات، ح ٣.
[٥] جواهر الكلام ٢١: ٣٧٢. وانظر: جامع المدارك ٥: ٤٠٥.
[٦] مهذب الأحكام ١٥: ٢٢٠. وانظر: جامع المدارك ٥: ٤٠٥.
[٧] انظر: تحرير الوسيلة ١: ٤٣٤، م ٦.
[٨] انظر: تحرير الوسيلة ١: ٤٣٤، م ٧.
[٩] جامع الشتات ١: ٤٢٠- ٤٢١. جامع المدارك ٥: ٤٠٦. دراسات في ولاية الفقيه ٢: ٢٥١- ٢٥٦.