غاية المسئول - الشهرستاني، السيّد محمّد حسين - الصفحة ٢٢٥
القرينة و هو كونه موضع الحاجة و أمّا أوامر الشّرع فقيل ينصرف إلى الفور و هو باطل لعدم جواز إجراء الوجه المذكور فيها لو سلم عليّته للانصراف عرفا أنّه ليست أوامره في موضع الحاجة لغنائه بل لوجود المصالح و المفاسد و هي قد تكون في التّأخير و قيل يحمل في الشّرع على الفور لا للانصراف بل لقوله تعالى و سارعوا إلى مغفرة من ربكم و قوله تعالى فاستبقوا الخيرات و الأوّل يقرر بوجهين أحدهما أن المغفرة من فعله تعالى فلا معنى لمسارعة العبد إليها فالمراد سارعوا إلى أسباب المغفرة بحذف المضاف أو المراد من المغفرة سببها مجازا و الثّاني أنّ معنى المسارعة إلى المغفرة التّعرض لتحصيلها عاجلا فهو أمر بالمسبب ابتداء و هو إمّا عين الأمر بالأسباب أو مستلزم له و كيف كان فعلى القول بالتّكفير مطلقا يجب بمقتضى الآية المسارعة إلى كل حسنة لأنّ الحسنات أسباب لتكفير السّيّئات و المغفرة و على القول به في الجملة يثبت في البعض و يتم في الباقي بعدم القول بالفصل و وجه الاستدلال بالثّانية ظاهر و الجواب أوّلا أنّ الآيتين في مقام الوعظ و التّرغيب و المتبادر منهما الاستحباب عرفا و ثانيا أمّا عن الآية الأولى فإنّها إرشاد إلى ما ثبت في العقل من وجوب التّوبة لكونها سببا للمغفرة دفعا لضرر العقاب و كذا كل ما كان سببا للمغفرة فهو واجب عقلا لدفع ضرر العقاب لا لوجود مصلحة في نفسه و مفسدة في تركه غير ما يترتب على المأمور به و حينئذ فاللازم هو وجوب تحصيل المغفرة فورا على المذنبين و لا كلام فيه أمّا من تاب فلا دليل على وجوب الفور بالنّسبة إليه و أمّا عن الثّانية فإنّ الأمر دائر فيها بين إرادة الاستحباب من الأمر و بين التّخصيص في الخيرات التّخصيص الأكثر و لا شك في ترجيح الأوّل و أمّا ما يجاب به عن الثّانية من أنّها متعارضة مع الأوامر الواردة في الشّرع فإنّها مطلقة فإمّا يلاحظ كل واحد منها مع الآية فهو خاص و الآية عامة و لا ريب في ترجيح الخاص على العام و إمّا يلاحظ المجموع معها فبينهما التّباين فيجب التّرجيح فمما لا يصغى إليه لحكومة الآية على سائر الأوامر لكونها ناظرة إليها بحيث لو رجحت تلك الأوامر عليها بقيت الآية بلا معنى كما لو قال المولى لعبده اشتر اللحم و اخدم الفرس و اكنس البيت ثم قال اسرع إلى ما أمرتك به فلا معنى لملاحظة التّرجيح في المقام كما لا يخفى على أولى الأفهام تذنيبان أحدهما في بيان أن الفور على القول به هل هو قيد أو تكليف مستقل و التّحقيق أنّه إن قيل باستفادته من الصّيغة كان قيدا لأنّها دالة على طلب خاص حينئذ لا على طلبين و إن قيل باستفادته من الأدلة العامة كالآيتين كان تكليفا مستقلا فإن مقتضى وجوب المسابقة إلى الخيرات صدق الخير على العمل مع قطع النّظر عن الآية و هو لا يصدق إلاّ إذا كان المطلوب ذات العمل فالمسابقة إليه واجب مستقل و على هذا فيكون المطلوب فورا ففورا لاقتضاء الآية وجوب المسارعة إلى مطلق الخيرات و الفعل إذا ترك في الزّمان الأوّل لم يزل صدق الخير عنه لما ذكرنا أنّ المطلوب هو نفس الفعل و حينئذ فيجب المسابقة إليه و هكذا بالنّظر إلى الزّمان الثّالث و الرّابع الثّاني في حد جواز التّأخير في الواجب الموسع فنقول إنّ حده عموما آخر أزمنة الإمكان و خصوصا آخر الزّمان المجعول له شرعا و المراد بالعموم الموسع بالمعنى الأعم و هو ما يكون وقته أزيد منه سواء فهم ذلك من صريح لفظ الأمر أو من الإطلاق و بالخصوص المعنى الأخصّ و هو ما نص بالوقت المعين ثم إنّه لا ريب في عدم جواز تأخير الموسع بالمعنى الأخصّ عن وقته المحدود و أمّا الموسع بالمعنى الأعم فحده واقعا هو آخر أزمنة الإمكان و أمّا ظاهرا فيلاحظ إلى جزء من الزّمان فإمّا يعلم أنه الآخر فلا إشكال في حرمة التأخير أو يعلم أنّه ليس آخرا فلا ريب في جوازه إنّما الإشكال في صورة الظّن بالإمكان و الظن بعدمه و الشّك و الحق اعتبار الظّنّين إذ لو جعل المدار على العلم فإمّا يبنى عند عدمه على الاحتياط أو البراءة فعلى الأول يفوت فائدة التّوسيع إذ قلما يحصل العلم بعدم كونه آخرا و على الثاني يفوت فائدة الوجوب لجواز التأخير إلى أن يعلم كونه آخرا و هو لا يعلم غالبا إلا بعد الوقوع فيه فالمناص هو الرجوع إلى الظن بالسّلامة و عدمها و أمّا الشك فمقتضى الاشتغال الاحتياط عنده لاحتمال فوات الامتثال فيحكم العقل بوجوب التعجيل لا يقال إمكان الفعل يستصحب في الزمان المتأخر فيحكم بأنه ليس آخرا لأنّا نقول لا دليل على حجيّة الاستصحاب في مثل ذلك بل يجب إجراؤه حال تحقق الشك في بقاء الحالة السابقة لا في بقائه بالنّسبة إلى الزمان المتأخر أيضا ثم إنه إذا ظن الضيق و ترك الفعل ثم ظهر الوسعة فهل هو عاص قيل نعم لمخالفته الظن المتبع و الحق أنه داخل في مسألة التّجري و الكلام في حرمته و هل يصير قضاء الحق عدمه لتحقّقه في وقته الواقعي و الظّن بالضيق لا يوجب تضييقه واقعا فتأمّل