غاية المسئول - الشهرستاني، السيّد محمّد حسين - الصفحة ١٥٥
ثم إن كلا من المجاز و الكناية محتاج إلى نصب قرينة دالة على إرادة غير الموضوع له لكن فرق بين القرينتين من وجهين أحدهما أن القرينة في المجاز إنّما هي لإرادة غير ما وضع له و الاستعمال فيه أيضا بخلاف الكناية فإنّ القرينة فيها إنّما هي لمحض إرادة غير ما وضع له لا للاستعمال فيه و لما كان عدم جواز الاستعمال في المعنيين الحقيقي و المجازي مجردا عندهم قالوا إنّ القرينة في المجاز معاندة لإرادة الحقيقة فإنّ المجاز قد استعمل في غير ما وضع له فلا يجوز استعمال فيما وضع له أيضا فيكون القرينة فيه معاندة لإرادة الموضوع له لدلالتها على الاستعمال في غير الموضوع له و لا يجوز الاستعمال في المعنيين بخلاف الكناية فإنّ القرينة فيها إنّما تدل على إرادة غير الموضوع له لا على الاستعمال فيه فلهذا قالوا إنّها غير معاندة و بالجملة قولهم إن القرينة في المجاز معاندة لإرادة الحقيقة إنّما هو لما تحقق عندهم من عدم جواز الاستعمال في المعنيين فالتّمسك لعدم الجواز بكون القرينة معاندة كالدّور و الثّاني أنّ القرينة في المجاز غالبا موجبة لكون اللّفظ نصا في غير الموضوع له بحيث لو أراد المتكلّم إنكاره لم يمكنه بخلاف الكناية و لهذا سمي كناية لبنائه على التّستر و إخفاء الأمر و بالجملة الكناية غير المجاز قطعا و ليست مستعملة إلا في المعنى الحقيقي و بما ذكرنا ظهر أن الاستدلال لعدم الجواز باحتياج المجاز إلى القرينة المعاندة فاسد و كذا الاستدلال للجواز بالكناية و كذا القول بأن النّزاع لفظي و نظر المجوز إلى الكناية لما عرفت أن الكناية ليس فيها جمع بين المعنيين أصلا بل النّزاع معنوي و هو أنه هل يجوز استعمال اللّفظ فيما وضع له و في غير ما وضع له أ و لا و أمّا الكناية فلا دخل لها بمحل الكلام أصلا فافهم الثّانية ربما يتوهم أن الاستعمال في المعنيين الحقيقي و المجازي موجود في كلماتهم و مثلوا له بأمور منها الكناية و قد مر فساده و منها التّضمين كقوله تعالى فَليَحْذَر الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ فإن يخالفون قد استعمل في معناه الحقيقي و في معنى يعرضون و هو غير الموضوع له و منها التّغليب فإنّ المراد من ملحوق العلامة القمر و هو الموضوع له و الشّمس و هو غيره و منها الأواني المعلقة لشيء على شيء كما لو قال إن جامعت في نهار رمضان فكفّر و قد قيل إن الأصل في مثل ذلك عدم تكرر الجزاء بتكرر السّبب و إلا لزم الجمع بين الحقيقة و المجاز لأنّ الكفارة مثلا بالنّسبة إلى السّبب الأوّل طبيعتها فإن كان المراد تكرارها بسبب تكرار الجماع وجب أن يكون المراد بها بالنّسبة إلى السّبب الثّاني غير ما حصل أوّلا و هو الفرد الآخر غير الفرد الّذي أوجده أوّلا فيكون المراد بها بالنّسبة إلى السّبب الأوّل الطّبيعة و هي الموضوع له و بالنّسبة إلى الثّاني الفرد و هو غير الموضوع له و منها الأوامر المتعلقة بالشّخص المختلف حاله بالقدرة و العجز فقوله صل يراد به الصّلاة قائما بالنّسبة إلى القادر على القيام