التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - صيانة القرآن من التحريف
و رقابة مكتوباتهم الموجودة عند الرسول و كتّاب الوحي و سائر المسلمين، جملة و أبعاضا و سورا.
فاستمرّ القرآن الكريم على هذا الاحتفال العظيم بين المسلمين جيلا بعد جيل، ترى له في كلّ آن ألوفا مؤلّفة من المصاحف، و ألوفا من الحفّاظ، و لا تزال المصاحف ينسخ بعضها على بعض، و المسلمون يقرأ بعضهم على بعض، و يسمع بعضهم من بعض. تكون ألوف المصاحف رقيبة على الحفّاظ، و ألوف الحفّاظ رقباء على المصاحف، و تكون الألوف من كلا القسمين رقيبة على المتجدّد منهما. نقول: الألوف، و لكنّها مئات الألوف و ألوف الألوف. فلم يتّفق لأمر تاريخي من التواتر و بداهة البقاء مثل ما اتّفق للقرآن الكريم، كما وعد اللّه جلّت آلاؤه بقوله في سورة الحجر:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[١].
قال: و لئن سمعت في الروايات الشاذّة شيئا في تحريف القرآن و ضياع بعضه، فلا تقم لها وزنا، و قل ما يشاء العلم في اضطرابها و وهنها و ضعف رواتها و مخالفتها لإجماع المسلمين، و فيما جاءت به في مرويّاتها الواهية من الوهن، و ما ألصقته بكرامة القرآن ممّا ليس له شبه به[٢].
و أمّا ما استند إليه الشرذمة الأخباريّة- و يترأّسهم السيّد نعمة اللّه الجزائري[٣]، و سار على أثره الشيخ ميرزا حسين النوري[٤] في تهريج عارم، فهي روايات شاذّة، أكثرها مراسيل و أخرى مجاهيل أو ضعاف، ليس لها أصل متين و لا قرار مكين. على ما فصّلنا الكلام فيها في كتابنا «صيانة القرآن من التحريف» (الجزء الثامن من التمهيد).
و من أهمّ ما استند إليه الجزائري[٥]، هي رواية مرسلة لا إسناد لها، ذكرها صاحب كتاب الاحتجاج- و لم يعرف لحدّ الآن-:
[م/ ٨٧] أنّه سئل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام عن التناسب في قوله تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ[٦]؟ فقال- فيما فرضه الراوي-: «إنّ
[١] الحجر ١٥: ٩.
[٢] راجع: آلاء الرحمن: ١٧- ١٨، في المقدّمة، الفصل الثاني في جمعه.
[٣] توفّي سنة ١١١٢ ق.
[٤] توفّي سنة ١٣٢٥ ق.
[٥] في كتابه منبع الحياة: ٦٨- ٧٠، ط بغداد. و ٦٦- ٦٩ من طبعة بيروت.
[٦] النساء ٤: ٣.