التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٣ - صيانة القرآن من التحريف
المبطلين، و أنّه في كنفه تعالى لم يزل و لا يزال محفوظا لا تمسّه يد سوء أبدا.
قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[١]. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[٢]. و هو ضمان إلهيّ مؤكّد و كان وعد اللّه مفعولا.
هذا مع شهادة التاريخ و ضرورته على عدم إمكان مسّ القرآن بسوء.
و قد مرّ عليك كلام الشريف المرتضى (توفّي سنة ٤٣٦). و قال الإمام المجاهد الحجّة الشيخ محمّد الجواد البلاغي (توفّي سنة ١٣٥٢ ق)- رحمه اللّه-: لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة الوحي و التشريع و المصالح و المقتضيات المتجدّدة آنا فآنا يتدرّج في نزوله نجوما، الآية و الآيتان و الأكثر و السورة. و كلّما نزل شيء هفت إليه قلوب المسلمين و انشرحت له صدورهم و هبّوا إلى حفظه بأحسن الرغبة و الشوق و أكمل الإقبال و أشدّ الارتياح، فتلقّنوه بالابتهاج و تلقّوه بالاغتنام من تلاوة الرسول العظيم الصادع بأمر اللّه و المسارع إلى التبليغ و الدعوة إلى اللّه و قرآنه، و تناوله حفظهم بما امتازت به العرب و عرفوا به من قوّة الحافظة الفطريّة و أثبتوه في قلوبهم كالنقش في الحجر. و كان شعار الإسلام و سمة المسلم حينذاك هو التجمّل و التكمّل بحفظ ما ينزل من القرآن الكريم، لكي يتبصّر بحججه و يتنوّر بمعارفه و شرائعه، و أخلاقه الفاضلة و تاريخه المجيد و حكمته الباهرة، و أدبه العربي الفائق المعجز. فاتّخذ المسلمون تلاوته لهم حجّة الدعوة، و معجزة البلاغة، و لسان العبادة للّه، و لهجة ذكره، و ترجمان مناجاته، و أنيس الخلوة، و ترويح النفس، و درسا للكمال، و تمرينا في التهذيب، و سلّما للترقّي، و تدرّبا في التمدّن، و آية الموعظة، و شعار الإسلام، و وسام الإيمان، و التقدّم في الفضيلة. و استمرّ المسلمون على ذلك حتّى صاروا في زمان الرسول يعدّون بالألوف و عشراتها و مئاتها. و كلّهم من حملة القرآن و حفّاظه، و إن تفاوتوا في ذلك بحسب السابقة و الفضيلة. هذا و لمّا كان وحيه لا ينقطع في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن كلّه مجموعا في مصحف واحد، و إن كان ما أوحي منه مجموعا في قلوب المسلمين و كتاباتهم له.
و لمّا اختار اللّه لرسوله دار الكرامة و انقطع الوحي بذلك فلا يرتجى للقرآن نزول تتمّة، رأى المسلمون أن يسجّلوه في مصحف جامع، فجمعوا مادّته، على حين إشراف الألوف من حفّاظه،
[١] الحجر ١٥: ٩.
[٢] فصّلت ٤١: ٤٢.