التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٩ - السياق في القرآن
و قد شرحنا هذا الجانب من تفسير الآية، في مباحثنا عن الإعجاز العلمي في القرآن[١].
*** و كذا لكلّ سورة سياقها الخاصّ يشي بموضعها من النزول، كان في أوائل البعثة أو بعدها و قبل الهجرة أو بعدها، أيّام كان المسلمون في ضعف أو في قوّة و شوكة، مهدّدا في جوّ حالك أم مشرّعا في جوّ وادع هادئ. و بذلك قد يتبيّن وجه دلالة الآية- في كنف السياق-: أنّه تكليف أو إرشاد، تبشير أو إنذار. و ما إلى ذلك من ظروف و شرائط تكتنف الآية و التي يهتمّ بها أهل النظر و التحقيق.
مثلا: قوله تعالى- موبّخا للمشركين-: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ[٢]، توبيخ لاذع لأولئك المشركين الذين لا يقومون بفريضة الزكاة.
استدلّ بعض الفقهاء بهذه الآية، دليلا على أنّ الكفّار مكلّفون- شرعا- بالفروع، كما هم مكلّفون- عقلا- بالأصول.
و ردّ عليهم سيدنا الأستاذ[٣] الإمام الخوئي- طاب ثراه- بأنّ الآية في سياق سورة مكّيّة، و لعلّها قبل الهجرة بمدّة- إذا لاحظنا أنّ مجموعة السور التي نزلت بمكة هي ٨٦ سورة، و كان رقم نزول هذه السورة ٦١.
أمّا وجه التوبيخ أو العتاب فلأنّهم خسروا بأنفسهم عن الاستضاءة بنور الإسلام، و من جملتها:
حرمانهم عن فرائض واجبة، هي زكاة النفس و تطهيرها، حرموا عنها بسبب لجاجهم عن الحقّ الصريح. فكان التوبيخ على ترك الإسلام الذي استعقب ترك فرائضها القيّمة و ليس توبيخا على ترك الزكاة، توبيخا مباشرا.
على أنّ الزكاة فرضت بعد الهجرة إلى المدينة، و لم تكن فرضت في مكّة حتّى على المسلمين، اللّهمّ سوى الإنفاق في سبيل اللّه، و قد أطلق عليه الزكاة بمفهومها العامّ.
*** أمّا السياق في آية أو آيات فكثير للغاية، و بذلك قد يتعيّن معنى للفظ، حسب اتّجاه الآية و سياقها.
[١] التمهيد ٦: ١٢٩- ١٣٨.
[٢] فصّلت ٤١: ٦- ٧.
[٣] في جلسة الدرس في النجف الأشرف.