التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٦ - السياق في القرآن
و قال سيّدنا العلّامة الطباطبائي: الطريقة المرضيّة في تفسير القرآن، أن نفسّر القرآن بالقرآن و نستوضح معنى آية من نظيرتها، بالتدبّر المندوب إليه في نفس القرآن. قال تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[١] و حاشا القرآن أن لا يكون تبيانا لنفسه[٢].
و من ثمّ فقد جرى المفسّرون الأوائل، و من ورائهم الأواخر، على التماس معاني القرآن من نفس القرآن و إنطاق بعض آيها ببعض مهما أمكن، ثمّ التعرّج إلى مساءلة السنّة و أقوال السلف و سائر منابع التفسير.
مثلا: قوله تعالى في سورة الأنفال: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ[٣] تهديدا لمن لم يعر انتباهه لمواعظ الدّين و لم يستجب للّه و للرسول إذا دعاهم لما يحييهم، يتساءل: ما هذه الحيلولة المتوعّد بها و كيف يكون هو اللّه حائلا بين المرء و قلبه؟
و للإجابة على ذلك، يكفينا الرجوع إلى آية أخرى نظيرتها في السياق: قوله تعالى- في سورة الحشر: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ[٤]. حيث الحيلولة- المهدّد بها- هي نسيان الذات، إذا لم يتّعظ المرء بمواعظ اللّه العزيز الحكيم.
و لا يخفى أنّ سياق الآية ذاتها أيضا يرجّح هذا المعنى، حيث إنّه سياق التهديد كما ذكرنا.
و قد فصّلنا الكلام حول الآية في كتابنا التمهيد[٥]، و الأمثلة على ذلك كثيرة جدّا. و قد دأب سيّدنا العلّامة الطباطبائي على انتهاج هذا النمط من التفسير.
قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ[٦]، ما هذا الرتق و الفتق؟ فيه أقوال:
أحدها:
[م/ ٧٤] كانتا ملتصقتين، ففصّل اللّه بينهما بالهواء. نسب ذلك إلى ابن عبّاس و الضحّاك و قتادة و الحسن.
ثانيها:
[م/ ٧٥] كانت السماء مطبقة (ذات طبقة واحدة مرتتقة) ففتقها اللّه أي جعلها سبع سماوات.
[١] النحل ١٦: ٨٩.
[٢] الميزان ١: ٩،( في المقدّمة).
[٣] الأنفال ٨: ٢٤.
[٤] الحشر ٥٩: ١٩.
[٥] التمهيد ٣: ٢١١- ٢٢٦/ ٨٠.
[٦] الأنبياء ٢١: ٣٠.