التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - السياق في القرآن
عليه صلوات المصلّين-[١].
هذا بالنسبة إلى ذات القرآن نفسه و في مجموعة آياته الكريمة، من البدء إلى الختم، كان ذا سياق واحد و تناسق فارد.
و هكذا في مجموعة آيات كلّ سورة، حيث الوحدة الموضوعيّة لكلّ سورة بذاتها، كانت هي الجامعة لشتات مواضيعها و الكافلة لجمع شملها.
و ذكرنا عند البحث عن التناسب القائم في كلّ سورة لوحدها: أنّ لكلّ سورة هدفا خاصّا أو أهدافا خاصّة مترابطة تستهدفها لغرض الإيفاء بها و أداء ما فيها من رسالة بالذات، الأمر الذي يوجّه مصير انتخابها في كيفيّة لحن الأداء و في كمّيّة عدد الآيات. فما لم تستوف الهدف لم تكتمل السورة، قصرت أم طالت. و هكذا اختلاف لهجاتها من شديدة فمعتدلة و إلى ليّنة خفيفة. فلا بدّ من حكمة مقتضية لهذا التنويع في العدد و اللحن، لأنّه من صنع عليم حكيم.
و من ثمّ فمن الضروري- بمقتضى الحكمة- أن تشتمل كلّ سورة على نظام و سياق خاصّ، يستوعب تمام السورة من مفتتحها حتّى الختام، و هذا هو الذي اصطلحوا عليه من الوحدة الموضوعيّة التي تحتضنها كلّ سورة بالذات.
إذن فكلّ سورة لوحدها كان لها سياقها الخاصّ، قد شمل السورة كلّها على نسق واحد و على نمط واحد، فصحّ الاستناد إليه في آية آية منها جميعا على سواء.
و قد يتشكّك البعض في الأخذ بالسياق، بعد عدم الثقة بالنظم القائم بين آيات كلّ سورة، فلعلّها تغيّرت عن محالّها و حصل فيها تقديم و تأخير، و لا سيّما إذا قلنا بأنّ الترتيب القائم بين السور و كذا بين الآيات، أمر حصل على يد الصحابة، و ربما جهلوا أو غفلوا عن موضع آية بالذات و سجّلت في غير موضعها الأصل، قالوا: كما هو المحتمل في لفيف من آيات، تبدو غير متناسبة مع موضعها الخاصّ.
لكن لا موضع لهذا التشكيك بعد أن ثبت أنّ النظم القائم بين آيات كلّ سورة، هو النظم الطبيعي حسب النزول، و إن حصل فيه تغيير- أحيانا- فبأمر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من غير أن يكون لأحد سواه يد في نظمها و اتّساقها. و من ثمّ فمن الضروري هو الالتزام بأنّ النظم القائم بين الآيات و ترتيبها
[١] نهج البلاغة ٢: ١٧، الخطبة ١٣٣.