التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - السياق في القرآن
بآيات من سور غيرها؟!
*** لكن هناك شيء يجب أن لا نتغافل عنه، و هو: ما إذا عرفنا من دأب متكلّم، أنّ سياقة كلامه متى خطب أو كتب، ذات أسلوب خاصّ، لمسناه من صميم تعابيره أو صرّح به خبير بصير، فهذا يمكن الاتّكال على أساليبه التي دأب عليها و لمسناها عن يقين.
و هكذا لو عرفنا منه الاتّجاه نحو مرمى خاصّ، في متنوّع كلامه و مختلف مواقفه من خطاب و عتاب. فهذا أيضا يجوز الاعتماد على أسلوبه العامّ، في سبيل فهم مراداته من متعدّد أقواله، لأنّها جميعا مركّزة حول محور خاصّ و إن تعدّدت المواقف. فتلك الوحدة الموضوعيّة، هي التي ربطت متنوّع كلامه، ليصبح المجموع في حوزة واحدة محيطة بالأطراف. الأمر الذي أكّد عليه علماء التفسير في مجموعة آيات كلّ سورة، بل و في مجموعة آيات القرآن كلّه.
قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ[١].
قوله: «متشابها» أي يشبه بعضه بعضا. من غير ما اختلاف في التعبير و الأسلوب و في نسق البيان و لحن الخطاب.
و قوله: «مَثانِيَ جمع مثنيّة بمعنى المعطوفة، لانعطاف بعض آيه على بعض، و رجوع بعضه إلى بعض، بحيث يتبيّن بعضها من بعض و يشهد بعضها على بعض من غير اختلاف يؤدّي إلى دفع بعضه ببعض أو يناقض بعضه بعضا، لا في الفحوى و لا في المؤدّى، بل و لا في الأسلوب و لحن البيان. قال تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً[٢].
نعم كان القرآن في مجموعه وحدة متماسكة الأجزاء متضامنة الأشلاء، في تراصّ و تناسق و وئام و انسجام تامّ، لا تفرقة بين أبعاضه و لا اختلاف بين أنحاء آياته. كِتاباً مُتَشابِهاً: متماثلا أساليب بيانه و متناسبا ألحان خطابه، يجري أوّله على آخره، و آخره على أوسطه، على نمط واحد في الأداء و الإيفاء. فكان القرآن- على مختلف مطالبه و متنوّع مقاصده- ذا سياق واحد من البدء فإلى الختم. و من ثمّ:
[م/ ٧٣] كان «يشهد بعضه على بعض، و ينطق بعضه ببعض»، كما قال الإمام أمير المؤمنين-
[١] الزّمر ٣٩: ٢٣.
[٢] النساء ٤: ٨٢.