التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧١ - السياق في القرآن
حقّ تلاوته. و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه»[١].
و قد استوفينا الكلام عن حجّية ظواهر القرآن حجّية قاطعة لا مرية فيها، و فنّدنا مزاعم القول بأنّ هناك من الأخباريين من ينكر حجّيتها، و أنّها نسبة ظالمة تأباه طبيعة كون الكتاب هو السند الحيّ لفهم شرائع الدين و معارفه. سوى أنّ هناك تخصيصات و تقييدات و تفاصيل لما أجمل في القرآن إجمالا، لا بدّ من التماسها من السنّة الشريفة و في أحاديث النبيّ و عترته الأطياب (صلوات اللّه عليهم)، الأمر الذي يلتزم به كل فقيه بارع، سواء أ كان مجتهدا أصوليّا أم متعبّدا أخباريّا، على سواء[٢].
السياق في القرآن
كان لسياقة الكلام دورها الأوفى في الإدلاء بمداليل الألفاظ و الإيفاء بواقع المراد، و كانت تعدّ من خير القرائن الحافّة المكتنفة بالكلام، و الآخذة بزمامه تسوقه حيث شاء المتكلّم أو كاتب المقال.
و السياق عبارة عن اتّجاه الكلام الخاصّ، الموجب لتواثق الكلام و ترابط أجزاءه مع البعض، صدرا و ذيلا و في الأثناء، يجعل من مسيرة الكلام في اتّجاه خاصّ. و بذلك يستبين أهداف التعابير الواردة في الكلام إفراديّا أو جمليّا و يتبيّن وجه الاستعمال إن حقيقة أو مجازا، و من ثمّ فالاهتمام به كبير و لا ينبغي التغافل عنه بحال.
قال الإمام بدر الدين الزركشي: ليكن محطّ نظر المفسّر، مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، و إن خالف أصل الوضع اللغويّ لثبوت التجوّز. و لهذا ترى صاحب «الكشّاف» يجعل الذي سيق له الكلام معتمدا، حتّى كأنّه غيره مطروح[٣].
و قال فيما إذا لم يرد في التفسير نقل عن المفسّرين- و هو قليل-: و طريق التوصّل إلى فهمه، النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب و مدلولاتها و استعمالها بحسب السياق. و هذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب «المفردات» فيذكر قيدا زائدا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ، لأنّه
[١] المحاسن: ٢٦٨/ ٣٥٦.
[٢] راجع ما كتبناه بهذا الصدد في كتابنا: التمهيد ٩: ٧٤- ٨٥.
[٣] البرهان ١: ٣١٧، آخر النوع ٢١.