التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - التأويل من المدلول الالتزامي
منها من خير أو شرّ»[١].
و عليه فللقرآن ظهر حسب التنزيل، و بطن حسب التأويل. و إنّما عبّر عنه بالبطن، لأنّ هذا المفهوم العامّ إنّما استخلص من فحوى الآية استخلاصا، بإعفاء جوانب الآية المرتبطة بالمناسبات، و التي كادت تجعل الآية خاصّة بها حسب ظاهر التنزيل، ليجلو وجه الآية العامّ بعد إلغاء الخصوصيّات الساترة، فقد كان بطن هذا المعنى العامّ لمن قصر نظره على ملابسات الآية حسب تنزيلها. أمّا الذي تعمّق النظر و تدبّر، فيجد الآية ذات مفهوم واسع سعة الآفاق، الأمر الذي يجعل من القرآن- في جميع آيه- ذات رسالة خالدة.
خذ لذلك مثلا قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[٢] نزلت بشأن المشركين حيث تشكيكهم في موضع الرسول: هل يصحّ أن يكون من البشر؟
فالآية بمفادها الظاهري- حسب تنزيلها- نزلت بشأن إزاحة علّة المشركين بالذّات. لكنّها بفحواها العامّ، تعمّ كلّ جاهل بأصول الديانة أو فروعها، فعليه أن يراجع العلماء في ذلك. و هذه هي رسالة الآية الخالدة و من ثمّ فهي مستند عقلاني- و حياني يحتجّ بها العلماء في كافّة الأصقاع و الأعصار على ضرورة رجوع العامّة إلى ذوي الاختصاص في جميع المعارف و العلوم.
التأويل من المدلول الالتزامي
و ليعلم أنّ المدلول بالتأويل- المعبّر عنه بالبطن- من المدلول الالتزامي للكلام لزوما غير بيّن[٣]. و عليه فالتأويل تبيين للمعنى الذي تستهدفه الآية بدلالة خفيّة هي بحاجة إلى تعميق
[١] العيّاشي ١: ٢١/ ٧.
[٢] النحل ١٦: ٤٣.
[٣] للدلالة اللفظيّة أنحاء ثلاثة: دلالة مطابقيّة على تمام الموضوع له. و دلالة تضمّنيّة على كلّ من أبعاض الموضوع له. و دلالة التزاميّة على لازم الموضوع له الخارج عن ذاته كدلالة الشمس على الضوء و الحرارة.
و الدلالة الالتزاميّة على نحوين: دلالة على لازم بيّن اللزوم و دلالة على لازم غير بيّن. و البيّن اللزوم على قسمين: بيّن بالمعنى الأخصّ و بيّن بالمعنى الأعمّ- على ما فصّله علماء الميزان-.
و البيّن الأخصّ: ما يلزم من تصوّر ذات الملزوم محضا تصوّر اللازم. كتصوّر الضوء عند تصوّر الشمس.
و البيّن الأعمّ: ما يلزم من تصوّر اللازم مع تصوّر الملزوم و تصوّر النسبة بينهما الجزم باللزوم. كتصوّر الزوجيّة للأربعة. أو تصوّر أنّ الاثنين نصف الأربعة.
و غير البيّن: ما يحتاج في الجزم باللزوم- مضافا إلى تصوّر اللازم و الملزوم- إلى تبيين و تدليل. و قد صرّح صاحب الكبرى في المنطق بأنّ هذه الدلالة معتبرة عند علماء الأصول و البيان، و عليه فالمدلول بالتأويل هي من الدلالة الالتزاميّة و لكن من القسم الثالث أي غير البيّن منها، و يعدّ من المداليل اللفظيّة للكلام، و إن كانت الدلالة بمعونة التدليل و قرينة العقل من خارج إطار اللفظ. و من ثمّ لم تكن من الظهر بل من البطن المفتقر إلى دقّة و تعميق نظر.
غير أنّ الذي يجب التنبّه له هنا هو: ضرورة وجود المناسبة القريبة بين هذا المعنى الباطني و المعنى البدائي الظاهر من الكلام و إلّا لم يكن من المدلول الالتزامي، بل كان أجنبيّا و تحميلا على اللفظ و كان من التفسير بالرأي، فتدبّر! راجع: المنطق للمظفّر ١: ٢٩- ٣٠ و ٧٩- ٨٠ و الكبرى في المنطق، الفصول: ٧- ١١، جامع المقدمات.