التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - التفسير و التأويل(الظهر و البطن)
و سبق[١] أنّ لخفاء المعنى أسبابا و عللا منها ما يعود إلى اعتلاء المعنى و قصور اللفظ أو لإجمال هو بحاجة إلى بيان و تفصيل و ما إلى ذلك ممّا لا يخلّ بفصاحة الكلام و بلاغته حسبما شرحناه. و بذلك يفترق التفسير عن الترجمة بأنّها حيث كان جهل بأصول الوضع ممّا ليس في رفعه على العارف بها كثير عناء.
و التأويل: مأخوذ من الأول بمعنى: الرجوع، ليكون التأويل إرجاعا، إمّا إلى الوجه المقبول، كما في باب المتشابهات. أو إلى فحوى الآية العامّ، بعد عدم صحّة الاقتصار على الظاهر الذي يبدو خاصّا حسب التنزيل.
فإنّ للتأويل مصطلحين عند أهل التفسير: أحدهما يختصّ بباب المتشابهات، بمعنى: تأويل المتشابه من الأقوال[٢] أو الأعمال[٣] إلى الوجه المعقول المقبول. و من ثمّ فهو نوع تفسير، ينضمّ إلى رفع الإبهام عن الآية، دفع الإشكال عنها أيضا، ليكون رفعا و دفعا معا.
فالتأويل في باب المتشابهات، هو بمعنى: توجيهها إلى الوجه الذي يقبله العقل و الشرع.
و المصطلح الآخر للتأويل هو: تبيين المفهوم العامّ الخابئ وراء ستار اللفظ الذي يبدو خاصّا حسب التنزيل. فإنّ غالبيّة الآيات النازلة حسب المناسبات تبدو خاصّة بها لا تتعدّاها ظاهريّا، فهذا يجعل من رسالة القرآن عقيمة مدى الأيّام، غير أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أكّد على ضرورة استخلاص الآية من ملابساتها، و لتكون ذات مفهوم عامّ و شامل لجميع الأقوام و الأعصار.
[م/ ٢٨] قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما في القرآن آية إلّا و لها ظهر و بطن».
[م/ ٢٩] و قد سئل الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام عن تفسير هذا الحديث فقال: «ظهره تنزيله و بطنه تأويله، منه ما مضى و منه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس و القمر»[٤]. و أضاف عليه السّلام:
[م/ ٣٠] «لو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية، لما بقي من القرآن شيء، و لكنّ القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات و الأرض، و لكلّ قوم آية يتلونها هم
[١] المصدر ١٧- ٢١ و ٣: ١٢.
[٢] كما جاء في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ( آل عمران ٣: ٧).
[٣] كما جاء في قصّة موسى و صاحبه: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً( الكهف ١٨: ٧٨).
[٤] بصائر الدرجات: ٢١٦/ ٧.