التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - التفسير في مراحل التكوين
في مثل أخبار بدء الخليقة و ما يرجع إلى الحدثان و الملاحم و أمثال ذلك، و هؤلاء مثل كعب الأحبار و وهب بن منبّه و عبد اللّه بن سلام و أمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم.
و تساهل المفسّرون في مثل ذلك و ملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات، و أصلها- كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية و لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلّا أنّهم بعد صيتهم و عظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدّين و الملّة، فتلقّيت [منهم] بالقبول من يومئذ.
قال: فلمّا رجع الناس إلى التحقيق و التمحيص، و جاء أبو محمّد عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة من المتأخّرين (٤٨١- ٥٤٢) بالمغرب، فلخّص تلك التفاسير كلّها و تحرّى ما هو أقرب إلى الصحّة منها و وضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب و الأندلس، حسن المنحى. [و أسماه: المحرّر الوجيز].
قال: و تبعه أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد القرطبي (٥٨٠- ٦٧١) في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر [الجامع لأحكام القرآن] مشهور بالمشرق[١].
و هكذا الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير (٧٠١- ٧٧٤) في تفسيره القيّم، قد أزاح الكثير من الإسرائيليّات و الموضوعات عن وجه التفسير.
و من أصحابنا الإماميّة قام الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (٣٨٥- ٤٦٠) بتهذيب التفسير و تنقيحه عن الشوائب و الأكدار، ليبدو نقيّا صافيا و ضافيا بجلائل الدرر و الجواهر الحسان، في تفسيره الأثري العظيم (التبيان). و هو بحقّ تفسير حافل بأمّهات الدلائل على فهم معاني القرآن، و جامع لكلّ ما يحتاج إليه المفسّر في تبيين المعاني و تشييد المباني، خال عن كلّ حشو أو زيادة. فجاء تفسيرا جامعا و حاويا على أسس المطالب و التي تستهدفها رسالة القرآن الكريم.
غير أنّ تفسيره هذا- على عظمته- كان قد ازدحمت عليه المطالب من غير ما نظم و بصورة
[١] المقدّمة لابن خلدون: ٤٣٩- ٤٤٠،( الفصل الخامس في علوم القرآن).