التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٩ - نماذج من نقد الحديث ذاتيا
من ذريّة إبراهيم من قبل الأمّ[١].
و لسيّدنا الطباطبائي هنا تحقيق لطيف، جعل من القول بكون «آزر» والد إبراهيم متنافيا مع ظاهر الكتاب، فضلا عن منافاته لأصول العقيدة الإسلاميّة في آباء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كونهم موحّدين حتّى آدم عليه السّلام.
و ذلك أنّ إبراهيم لمّا آيس من آزر إيمانه هجره و وعده بالاستغفار له: قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا[٢].
و بالفعل وفى بما وعد: وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ[٣]. لكن سرعان ما رجع عمّا كان قد رجا في أبيه خيرا، و من ثمّ تبرّأ منه من بعد: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ[٤].
هذا في بداية الأمر و قبل مغادرته بلاد شنعار (كلدان- العراق) و ربما كان في منتصف عمره أي في سنّ الخامسة و السبعين. و لكنّه بعد ما طاف البلاد و اتخذ الأرض المقدّسة مهجرا له و رزق بإسماعيل و من بعده بإسحاق، فكان ممّا فعله في أخريات حياته أن بنى البيت هو و ابنه إسماعيل و ربما بلغ من العمر ما يقارب المائة و الخمسين، هنا لك دعا ربّه و قال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ[٥] نراه يعود فيستغفر لوالديه رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ[٦].
هنا يأتي العلّامة الطباطبائي ليدلي برأيه الأخير، و يقول: و الآية بما لها من السياق و القرائن المحتفّة بها، خير شاهدة على أنّ والده الذي دعا له و استغفر له هنا، غير أبيه آزر الذي تبرّأ منه في سالف الأيّام.
إذ لم يكن إبراهيم ممن ينسى أو يتناسى موقف أبيه آزر- الذي تبيّن له أنّه عدوّ للّه- ليعود فيدعو له من جديد، مع العلم أنّه لم يحصل شيء جديد في موقف آزر العدائي العتيد مع اللّه سبحانه.
قال العلّامة: فقد تحصّل أنّ آزر الذي جاء ذكره في تلكم الآيات، لم يكن والد إبراهيم و لا أباه
[١] التفسير الكبير ١٣: ٤٠.
[٢] مريم ١٩: ٤٧.
[٣] الشعراء ٢٦: ٨٩.
[٤] التوبة ٩: ١١٤.
[٥] إبراهيم ١٤: ٣٥.
[٦] إبراهيم ١٤: ٤١.