التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٤ - نماذج من نقد الحديث ذاتيا
بأنّه لا يجني الجاني على أكثر من نفسه، فإذا وردت رواية مخالفة لذلك، ينبغي أن لا يلتفت إليها[١].
انظر كيف جعل ظاهر الكتاب نصّا بعد دعمه بصريح الروايات، و جعل ما يخالف هذا الظاهر مخالفا للكتاب. و هو أسلوب فنيّ دقيق، قد يخفى على غير ذوي الاختصاص بمشارب الفقاهة.
و للشيخ في ترجيحاته لمختلف الروايات أساليب تنبئك عن سعة باعه في طريقة الاجتهاد و الاستنباط، و لا بدّ أن تؤخذ أسوة- كما كانت عند السلف و الخلف من فقهائنا العظام- و لا يجعل مجرّد اعتبار السند أو محض وثاقة الراوي معيارا للقبول.
و هذا الإمام أحمد بن حنبل يجعل العرض على الثابت من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مقياسا لتمييز الصحيح عن السقيم.
[م/ ٣٤٢] قال محمّد بن منصور: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد اللّه! ما تقول في هذا الحديث الذي يروى: أنّ عليّا عليه السّلام قال: «أنا قسيم النار»؟ فقال أحمد: و ما تنكرون من ذا؟ أ ليس روينا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لعليّ عليه السّلام «لا يحبّك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق»؟ قلنا: بلى! قال:
فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة. قال: و أين المنافق؟ قلنا: في النار. قال أحمد: فعليّ قسيم النار![٢]
نماذج من نقد الحديث ذاتيّا
و لقد كان نقد الحديث متنا (ذاتيّا من داخل محتواه) أمرا معروفا منذ البداية و لا يزال. و إليك أوّلا النقد بمخالفة الكتاب:
[م/ ٣٤٣] روى البخاري في صحيحه بالإسناد إلى مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: يا أمّتاه! هل رأى محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ربّه؟ فقالت: لقد قفّ شعري[٣] مما قلت! أين أنت من ثلاث من حدّثكهنّ فقد كذب:
١- من حدّثك أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رأى ربّه، فقد كذب. ثمّ قرأت:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[٤]. وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ[٥].
[١] الاستبصار ٤: ٢٦٨/ ٥- ١٠٠٩، باب ١٥٥.
[٢] طبقات الحنابلة ١: ٣٢٠.( الإمام الصادق و المذاهب الاربعة- أسد حيدر ٤: ٥٠٣).
[٣] يقال: قفّ شعره، إذا قام لشدّة الفزع.
[٤] الأنعام ٦: ١٠٣.
[٥] الشورى ٤٢: ٥١.