التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣ - اشتقاق لفظة القرآن
و بعد فإذ قد ثبتت أصالة اللفظة في اللغة، و كان لها تصاريف دارجة في الاستعمال القديم، فلا موضع لاحتمال كونها من الدخيل، من أصل سرياني كما قيل!
ادّعى بعضهم أنّه من المحتمل اشتقاق لفظة «القرآن» من «قريانة» بمعنى القراءة، حيث كانت تستعمل في الكنيسة السّريانيّة، و جاء ذلك في دائرة المعارف الإنجليزيّة، و يردّده مستشرق آخر فرنسي هو «ريجي بلا شير»، و هكذا تلقّتها المصادر الغربيّة، دون تحرّ عن الحقيقة أو بحث علمي قائم على خطوات منهجيّة[١].
على أنّ اشتراك اللغات المتجاورة في جذور كلمات و ألفاظ، كان شيئا معروفا، كاشتراك أصول الأمم أنفسها، و لا سيّما في مثل العربيّة و العبريّة و السّريانيّة، لها جذور مشتركة، و لا دليل على أنّ إحداها أخذت من الأخرى، أو أنّ إحداها أصل و الأخرى فرع، إن لم نقل بأنّ العربيّة هي الأصل لعراقتها في القدم.
و هكذا انصبّ اهتمام عدد من المستعربين المتحرّشين بالإسلام، على كلمة «فرقان» فبذلوا جهودا مضنية بهدف إرجاعها إلى أصول يهوديّة- مسيحيّة.
و لعلّه من جزاف القول: ما ذكره بعض المستشرقين اليهود[٢]، تصوّروا أنّ كلمة «فرقان» عبريّة، قد تمّ تعريبها. حيث كانت في الأصل «بيركي») ekriP (. و بشير «مرجليوث» في موسوعته «الدّين و الأخلاق»، قائلا: إنّ الكلمة الأصليّة هي «بيركى- أبوت»[٣].
و يعطي «ريتشارد- بيل» معلّقا على كلمة «فرقان» في كتابه «مدخل إلى القرآن» ص ١٣٦- ١٣٧، الذي صدر بعد وفاته، تفسيرا يمزج فيه بين التفسير الذي يجمع عليه المفسّرون المسلمون، و بين تفسير المستشرقين المسيحيّين الذين يزعمون أنّ لفظة «فرقان» ترجع في أصلها إلى الكلمة السّريانيّة «فرقانا») anakruF (يقول: إنّ الكلمة قد تمّ اشتقاقها من المصادر المسيحيّة، لكنّ محمدا لا بدّ أنّه قد مزجها باللفظ العربي «فرق» لتسهيل التفريق ما بين أتباعه و بين
[١] راجع: قضايا قرآنيّة في الموسوعة البريطانيّة- للدكتور فضل حسن عبّاس: ٢٥- ٢٦.
[٢] أمثال« جيجر» في كتابه« ما ذا أخذ محمّد من اليهود؟: ٩٩». و« هير شفيلد» في كتابه« بحوث جديدة في القرآن: ٦٨». و« هوروفيتز»:« بحوث قرآنيّة: ٧٦- ٧٧».
[٣] الدفاع عن القرآن ضدّ منتقديه- عبد الرحمن بدوي: ٥٨.