التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - ما ورد بشأن خواص القرآن
قلت: لا شكّ أنّ للأوراد و الأذكار تأثيرا في الشفاء عن الأسقام و الآلام، تأثيرا بإذن اللّه تعالى، الذي هو مسبّب الأسباب في عالم الطبيعة. إذ لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه. و النفس إذا توجّهت بكليّتها إلى مبدأ الإفاضة في الوجود، اكتسبت روحانيّة ملكوتيّة توجب استعدادها للاستفاضة من بركات الملأ الأعلى المفاضة على سائر الممكنات عبر الآنات.
هذا هو العامل الأساسي لهذا التأثير و التأثّر و الترابط الوثيق بين عالمي الملك و الملكوت.
وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ. فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ[١].
كما لا شكّ أنّنا نعيش في عالم الأسباب و المسبّبات، من تأثيرات و تأثّرات هي رهن عوامل طبيعيّة واقعة تحت نظام عام حكيم و هي سنّة اللّه التي جرت في الخلق. و لكن هذا لا يعني الاستغناء عن الاستفاضة من عالم الملكوت، فلا تأثير و لا تأثّر في سنن الطبيعة إلّا و هو بحاجة إلى إذنه تعالى بالإفاضة من جانبه تعالى. أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ[٢]. وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[٣].
إذن فتأثير الدعاء في مجال الطبيعة و مجاريها، هو استعطاف جانب لطفه تعالى في الإفاضة على التأثيرات على الوجه الأصلح في التقدير و التدبير ليجعل من الدواء الناجع شفاء من الداء و رفعا أو دفعا للأسقام و الآلام.
فلم يكن من شأن الدعاء، عزل الطبيعة عن التأثير، كلّا، و إنّما هو استجلاب لعطفه تعالى أن يمنحها التوفيق في مسيرتها نحو الكمال بسلام.
على أنّ الابتهال إلى اللّه، يزداد الداعي قوّة روحيّة، تجعله على رجاء دون اليأس، و تمنحه اطمئنانا نفسيّا دون الاضطراب، الأمر الذي يجعل من الحياة ذات أمن و راحة، و كان ملؤها البهجة و الحيويّة و السرور. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٤].
لكنّ هناك- للابتهال إلى اللّه بالأدعية و الأذكار- شروطا، أهمّها: العقيدة و الإخلاص، و الإيقان بكونه مأثورا، سواء أ في أصله أم في كيفيّة ورده، حتّى يكون مشروعا في التوسّل به إلى اللّه تعالى.
ذلك أنّ هذه الأدعية و الأذكار، هي الوسائل للبلوغ إلى أعتابه تعالى المقدّسة، و لا يعرف الطريق إليه تعالى إلّا من قبله و من تعريفه إيّاه، إذ لا يعرف السبيل إليه إلّا منه و على يد أوليائه العظام.
[١] الذاريات ٥١: ٢٢.
[٢] الواقعة ٥٦: ٦٤.
[٣] البقرة ٢: ١٠٢.
[٤] الرعد ١٣: ٢٨.