التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٠ - تفسير التابعي في كفة الميزان
بعد أن كان المأثور عن ابن عبّاس منقولا عن طريق متخرّجي مدرسته ممّن يعدّ من أعلام التابعين.
و هكذا المنقول عن سائر الأصحاب. إنّ ذلك لممّا يدلّ على مبلغ الاهتمام بتفاسيرهم و الإجلال بمقامهم الرفيع. و ليس إلّا لأنّهم أقرب عهدا بنزول الوحي، و أطول باعا في الإحاطة بأسباب النزول، و أسهل تناولا لفهم معاني القرآن الكريم. فإنّ القرآن قد نزل بلغة العرب و على أساليب كلامهم المألوف، و قد كان الأوائل أصفى ذهنا و أقرب تناوشا لتصاريف اللغة و مجاري ألفاظها و تعابيرها. إنّهم أعرف بمواضع اللغة في عهد خلوصها، و أطول يدا في البلوغ إلى مجانيها من ثمرات و أعواد.
كما أنّهم أمسّ جانبا بأحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و العلماء من صحابته الأعلام. فهم أقرب فهما لأبعاد الشريعة في أصولها و الفروع، و الإحاطة بجوانب الكتاب و السنّة و السيرة الكريمة.
فكان الاهتمام بشأنهم، و الرجوع إلى آرائهم و نظراتهم، و معرفة أقوالهم في التفسير، إنّما هو لمكان تقدّمهم و سبقهم في مسرح الدّين الحنيف، شأن كلّ خلف يرجع إلى آراء سلفه، لا ليتقلّدها أو يتعبّد بها، بل ليستعين بها و يستفيد في سبيل الوصول إلى أقصاها، و الصعود على أعلاها، فكان تمحيصا و تحقيقا في الاختيار، لا تقليدا أو تعبّدا برأي!
و لا شكّ أنّ الإحاطة بآراء العلماء سلفا و خلفا، لهي من أكبر عوامل التوسعة في الفكر و الإجالة في النظر و الإنتاج، و بالتالي أكثر توسّعا في العلوم و المعارف و الصعود على مدارج الفضيلة و الكمال. هكذا تقدّم العلم و ازدهرت معارف الإنسان على طول الزّمان.
فلآراء السلف قيمتها و وزنها في سبيل الرقيّ على مدارج الكمال، و لولاه لتوقّف العلم على نقطته الأولى، و لم يخط خطواته الواسعة في مسيرته هذه الحثيثة، نحو التكامل و الازدهار.
قال الإمام بدر الدين الزركشي: و في الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد. و اختار ابن عقيل المنع و حكوه عن شعبة. لكن عمل المفسّرين على خلافه و قد حكوا في كتبهم أقوالهم.
قال: و هذه تفاسير القدماء المشهورين، و غالب أقوالهم تلقّوها من الصحابة[١].
و قال الحافظ أبو أحمد ابن عديّ: للكلبي[٢] أحاديث صالحة و خاصّة عن أبي صالح، و هو
[١] البرهان ٢: ١٥٨.
[٢] هو أبو المنذر هشام بن أبي النضر محمّد بن السائب الكلبي الكوفي. كان أعلم الناس بالأنساب، و كان إلى جنب علمه بالأنساب عالما بالتفسير كبيرا. صحب الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام. توفّي سنة ١٤٦.