منهاج السنة المحمدية في الرد على منهاج ابن تيمية - العقيلي، عبدالرحمن - الصفحة ٨٤ - منهاج السنّة الأمويّة في ضوء منهاج السنّة المحمّديّة
وملوك بني أيوب مفترقون مختلفون، قد صاروا أحزابا وفرقا، وقد اجتمع ملوكهم إلى الكامل محمد صاحب مصر، وهو مقيم بنواحي القدس الشريف، فقويت نفوس الفرنج لعنهم الله بكثرتهم بمن وفد إليهم من البحر، وبموت المعظّم واختلاف من بعده من الملوك، فطلبوا من المسلمين أن يردوا إليهم ما كان الناصر صلاح الدين أخذ منهم، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملوك أن يردوا لهم بيت المقدس وحده، وتبقى بأيديهم بقية البلاد فتسلموا القدس الشريف، وكان المعظّم قد هدم أسواره، فعظم ذلك على المسلمين جدا وحصل وهن شديد وإرجاف عظيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون».
فهل هناك ذلٌ اكبر من هذا؟! والغريب أن قضية تسليم بيت المقدس الى الصليبيين لا تذكر إطلاقاً من وهابية اليوم في منابرهم الوعظية، لكنهم يذكرون خبرا اختلف فيه المؤرخون حول دور رجل يقال انه شيعي في سقوط بغداد! فهل مدينة بغداد أكثر قدسية من أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟! أم أن دينهم السياسة دائماً فأينما يريد الحكّام تجد الفتاوى مشرعة!.
وقال ابن أعثم الكوفي في الفتوح في تفاصيل معركة صفّين[٨٤] «فنادى علي في الناس فجمعهم، ثم خطبهم خطبة بليغة وقال: أيها الناس! إن معاوية بن أبي سفيان قد وادع ملك الروم[٨٥]، وسار إلى صفين في أهل الشام عازما على
[٨٤] كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج٢ - ص٥٣٩- تحقيق د علي شيري -الأولى-١٤١١- دار الأضواء.
[٨٥] وقد ذكرت مصادر البيزنطيين والعرب أن معاوية دفع الجزية للروم مقابل سكوتهم عنه ليتفرغ لحرب المسلمين في صفين / تاريخ العرب - فيليب حتي - ص٢٥٨ بل كانت هذه سياسته تجاه النصارى من اتباع دولة الروم، وقد يكون هذا بتأثير بلاطه الآرامي النصراني فقد كان رئيس الموظفين في بلاط الملك معاوية هو سرجون الرومي وهو كان مدبر السياسة في قصره، وكان شاعره الأول الأخطل نصراني وكان طبيبه الأول (إبن أثال) نصراني، وزوجته ميسون كذلك نصرانية، وقد سرى هذا النفاق والمجاهرة في الطعن في الإسلام الى ولاة الامويين فنرى خالد القسري يبني لأمه النصرانية كنيسة في العراق! لذا فقد نال المسلمون من معاوية وبني أمية ما لم ينالوه من الروم, والمتمعن في سياسة معاوية أخزاه الله أنه اتبع سياسة البطش مع الثائرين عليه في المدن الإسلامية مثل الكوفة والبصرة ولكنه كان رحيما رؤوفا بالمتمردين على الدولة الإسلامية من النصارى مثل عصابات (المردة) وهم عصابات نصرانية اوجدها القيصر البيزنطي في الشام لإحداث القلاقل الداخلية واضعاف الدولة الاسلامية، قال فيليب حتي المؤرخ المعروف «وكان معاوية قد صالح إمبراطور الروم على قدر كبير من المال يؤديه كل سنة شرط ان يقطع الامبراطور الاعانات عن هذا العدو الداخلي وقبل في الوقت نفسه ان يؤدي جزية للمردة انفسهم ايضا... وفي سنة ٩٨٦م عاد الامبراطور يوستيانوس الثاني الى تحريض اهل الجبل المردة وحضهم على الفتنة، والعبث بالأمن في ارض الشام، فاضطر الخليفة عبد الملك جريا على سياسة معاوية قبله ان يقبل بالشروط التي فرضها عليه الامبراطور وان يصالح الجراجمه (المردة) على الف دينار كل اسبوع» تاريخ العرب - فيليب حتي -ص ٢٦٦, وعبد الملك بن مروان هذا هو الذي يقول «من قال برأسه كذا قلنا له بسيوفنا كذا) لكنه مع الروم كان يدفع الاموال لإسكاتهم فما السر ياترى؟!! وهل من الصدف أن يظل القائم على أدارة بيت المال في دمشق في العهد البيزنطي هو نفسه في العهد الاموي ايام الامارة والخلافة (منصور ابن سرجون) والذي سيخلفه فيما بعد ابنه في المنصب نفسه والمفارقة ان حفيده الذي خلف اهله في المنصب نفسه سيكون (القديس يوحنا الدمشقي) وهو من أهم رجال الدين النصارى في ذلك العهد «ومن مؤلفاته محاورة مع مسلم في موضوع ألوهية المسيح وحرية الإرادة البشرية وهو بمثابة دفاع عن النصرانية» تاريخ العرب - ص٣١٠.
من هذا نعلم أن البلاط الاموي كان نقطة انطلاق لإفشال المشروع النبوي الإسلامي الذي صوروه على انه إمبراطورية تمتد من الصين الى الاندلس! لكنها في الحقيقة إمبراطورية بلا روح وبلا عنوان فهي لا تمت الى دين النبي صلى الله عليه وآله بصلة بل هي ملك كسروي قيصري دنيوي نصراني المضمون يهودي العقيدة ويكفي مماثلتهم لليهود في قضيّة التجسيم لتعرف ذلك.