منهاج السنة المحمدية في الرد على منهاج ابن تيمية - العقيلي، عبدالرحمن - الصفحة ٣٣ - المقدمة
وقال عدوُّه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه (معاوية بن أبي سفيان) لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس، فقال: ويحك "! كيف تقول إنه أبخل الناس، لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن، لأنفد تبره قبل تبنه. وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلّي فيها، وهو الذي قال: يا صفراء، ويا بيضاء، غري غيري. وهو الذي لم يخلف ميراثا، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام.
وأما الحلم والصفح: فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسيء، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل، حيث ظفر بمروان بن الحكم - وكان أعدى الناس له، وأشدَّهم بغضا - فصفح عنه. وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب - وكان علي عليه السلام يقول: ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شب عبد الله - فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسيرا، فصفح عنه، وقال: اذهب فلا أرينك، لم يزده على ذلك. وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة، وكان له عدوا، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا. قد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عمَّمهن بالعمائم، وقلَّدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت: هتك سترى برجاله وجنده الذين وكلهم بي فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن، وقلن لها: إنما نحن نسوة. وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف، وشتموه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: ألا لا يُتبع مولٍّ، ولا يُجهز على جريح، ولا يُقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيّز إلى عسكر