الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨
بدأ بخبر أبي قطيفة و نسبه، و ذكر معبد و بعض أخباره، ثم عمر بن أبي ربيعة و نسبه و هكذا ... حتى انتهى بأخبار المتلمس في آخر الكتاب.
و قد جعل المؤلف مبنى كتابه على مائة الصوت المختارة للرشيد، و بدأ فيه بذكر الأصوات الثلاثة المختارة من جميع الغناء، و نسب كل ما ذكره منها إلى قائل شعره و صانع لحنه و طريقته على شرح لذلك و تفسير للمشكل الغريب و بيان عروض الشعر و ضربه.
و أتى بكل فصل من ذلك بنتف تشاكله، و لمع تليق به، و فقر إذا تأمّلها قارئها لم يزل متنقّلا من فائدة إلى مثلها، و متصرّفا فيها بين جدّ و هزل، و آثار و أخبار، و سير و أشعار متصلة بأيام العرب المشهورة و أخبارها المأثورة، و قصص الملوك في الجاهلية و الخلفاء في الإسلام، تجمل بالمتأدبين معرفتها، و تحتاج الأحداث إلى دراستها، و لا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها، إذ كانت منتخلة من غرر الأخبار و منتقاة من عيونها، و مأخوذة من مظانها، و منقولة من أهل الخبرة بها.
فلا عجب أن يكون هذا الكتاب أكبر مرجع عربي في ذكر الغناء و تاريخه و قواعده و الآلات الموسيقية التي كانت على عصره، أو سابقة عليه، ليس هذا فحسب بل إن الناحية الأدبية فيه أوسع و أشمل، فإنه ما يكاد يذكر صوتا أي لحنا حتى ينطلق منه إلى المغني و أخباره و أشعاره و إن كان متصلا بخليفة أو ملك تحدّث عن هذا الملك أو ذاك الخليفة، و على صفحاته تنتشر أخبار العرب و أيامهم، و أنسابهم، و مفاخرهم، و وصف لحياتهم الاجتماعية، و يركز على مراكز الغناء و خاصة المدينة و مكة و بغداد. هذا فضلا عن مئات التراجم و عديد السير، بالإضافة إلى المجموعة الهائلة من الصور الأدبية من شعر، و كتابة، و خطابة، و قصص و نوادر.
هذا و قد امتدح الكتاب غير واحد من أوعية العلم و الأدب على ما ذكرناه في الصفحة (٥) و صار مدار اهتمام و عناية العلماء فاختصره جماعة:
منهم ابن المغربي (ت ٤١٨ ه)، و الأمير عز الملك المسبّحي الكاتب (ت ٤٢٠ ه)، و القاضي ابن واصل الحموي (ت ٦٩٧ ه)، و ابن منظور صاحب لسان العرب (ت ٧١١ ه) و غيرهم [١] مما هو مذكور في ترجمة أبي الفرج في الصفحات (١٤- ٢٤) من هذا الجزء.
لكن رغم مدح الكتاب فإن الإنصاف يدعونا إلى ذكر العلماء الذين قدحوا فيه و في صحة روايته:
فقد ذكره الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ ه) في «تاريخ بغداد» [٢] فقال:
«كان أبو الفرج الأصبهاني من أكذب الناس، كان يدخل سوق الورّاقين و هي عامرة و الدكاكين مملوءة بالكتب، فيشتري شيئا كثيرا من الصحف و يحملها إلى بيته ثم تكون رواياته كلها منها ...».
و ذكره الإمام ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (ت ٥٩٧ ه) في تاريخه المسمى «المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم» [٣] فقال: «إنه كان متشيعا، و مثله لا يوثق بروايته، فإنه يصرّح في كتبه بما يوجب عليه الفسق،
[١] راجع مختصرات كتاب «الأغاني» في الصفحات (٢٦- ٢٧) من هذا الجزء.
[٢] الخطيب البغدادي «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٩٨- ٤٠٠) ترجمة (٦٢٧٨) .
[٣] ابن الجوزي «المنتظم» (١٤/ ١٨٥) وفيات سنة (٣٥٦ ه) ترجمة (٢٦٥٨) .