مسند الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٣٧٩ - ٣٤- باب شهادة مسلم بن عقيل
فسار ابن زياد، فتحصن منه، فحصروه فى القصر، فلم يمس مسلم و معه غير مائة رجل، فلمّا نظر الى الناس يتفرقون عنه سار نحو أبواب كندة، فما بلغ الباب الا معه منهم ثلاثة، ثمّ خرج من الباب فاذا ليس معه منهم أحد، فبقى حائرا لا يدرى أين يذهب، و لا يجد أحدا يدلّه على الطريق، فنزل عن فرسه و مشى متلدّدا فى أزقة الكوفة لا يدرى أين يتوجّه، حتى انتهى الى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثمّ سألته عن حاله، فأعلمها بقضيّته، فرقت له و آوته، و جاء ابنها فعلم بموضعه.
فلمّا أصبح غدا الى محمّد بن الاشعث، فأعلمه، فمضى ابن الاشعث الى ابن زياد فأعلمه، فقال: انطلق فأتنى به، و وجّه معه عبد اللّه بن العباس السلمى فى سبعين رجلا، فاقتحموا على مسلم الدار، فثار عليهم بسيفه، و شدّ عليهم فأخرجهم من الدار، ثمّ حملوا عليه الثانية، فشدّ عليهم و أخرجهم أيضا، فلمّا رأوا ذلك علوا ظهر البيوت فرموه بالحجارة، و جعلوا يلهبون النار بأطراف القصب ثمّ يلقونها عليه من فوق البيوت.
فلمّا رأى ذلك قال: أ كلّ ما أرى من الأجلاب لقتل مسلم بن عقيل؟ يا نفس أخرجى الى الموت الذي ليس عنه محيص، فخرج إليهم مصلتا سيفه الى السكّة، فقاتلهم، و اختلف هو و بكير بن حمران الأحمرى، ضربتين: فضرب بكير فم مسلم فقطع السيف شفته العلياء، و شرع فى السفلى، و ضربه مسلم ضربة منكرة فى رأسه ثمّ ضربة أخرى على حبل العاتق فكاد يصل الى جوفه، و هو يرتجز و يقول:
أقسم لا أقتل الا حرا * * * و ان رأيت الموت شيئا مرا
كلّ امرئ يوما ملاق شرا * * * أخاف أن أكذب أو أغرا
فلمّا رأوا ذلك منه تقدم إليه محمّد بن الاشعث، فقال له: فانّك لا تكذب و لا تغرّ، و أعطاه الأمان، فأمكنهم من نفسه، و حملوه على بغلة و أتوا به ابن زياد، و قد