شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٨٥ - «الشرح»
..........
تعليم النفس الانسانية و تربيتها فوجب عليها استقباله و القيام بتعظيمه و الاقبال إلى ما جاء به و التدبّر في أحكامه و حلاله و حرامه و سننه و مواعظه و نصائحه و التفكّر فيما نطق به من أحوال المبدأ و المعاد و أحوال ما كان و ما يكون و أحوال الأمم الماضية و القرون السالفة و كيفيّة أخذهم و إهلاكهم بسبب العصيان و الاعتبار بحالهم حتّى تستعدّ بذلك للرّجوع من حضيض النقصان إلى أوج الكمال و من منازل الهجران إلى مقام الوصال فلو أعرضت عنه و لم تستقبله عند نزوله في منزل اللّسان و لم تنزله في منزل القلب و الجنان و لم تستمع إلى ما جاء به و لم تتدبّر فيه فات عنها الحظّ الأوفر و الخير الأكثر و حصل لها الخير القليل بتلاوة اللّسان و مشاهدة البصر بل هي مستحقّة للتعذيب و التأديب لأنّها بمنزلة من عصى الملك العظيم و منع رسوله الكريم من الوصول إلى غاية مقاصده أو بمنزلة منافق يتكلّم بالحقّ ظاهرا و يغفل عنه باطنا و قيل: هذه الفقرة متعلّقة بالفقرة الثانية فإنّ من تدبّر في قراءة القرآن و ما فيه من إهلاك قوم بالمعاصي و مسخ آخرين علم أنّه لا ينبغي لأحد أن يؤمن عباد اللّه من عذابه و أنّ يرخّص لهم في معاصيه
(ألا لا خير في عبادة ليس منها تفكّر)
(١) لأنّ الغرض من العبادة هو التقرّب بالمعبود و طلب رضاه و الوصول إليه و القطع عمّا عداه. و ذلك لا يتحقّق بمجرّد اشتغال الجوارح بما يليق به ممّا هو آلة لذلك التقرّب بدون يقظة القلب و تفكّره فانّ قلب غير المتفكر مظلم لا يهتدي إلى الحقّ دليلا و لا إلى الوصول إليه سبيلا بخلاف ما إذا تفكّر فإنّه يطلع حينئذ شوارق المعارف من مشارقه و ينكشف الحجاب عنه فينظر إلى وجوه مطالبه و يرى خيره و شرّه و منافعه و مضارّه و يأخذ عنان الطبيعة عن يد النفس الأمّارة بالسوء و يسعى في سبيل ربّه و مرضاته حتّى يبلغ غاية مقاصده و متمنّياته و فيه تفضيل العالم المتفكّر في أمر العبادة و أجزائها و أحكامها و شرائطها و مصالحها و منافعها و في أحوال المعبود و صفاته اللائقة به على العابد كما مرّ مرارا فمن آثر العبادة على العلم و التفكّر و الحركات البدنيّة على الحركات الفكريّة فقد آثر الأدنى على الأعلى و الأخسّ على الاشرف. و قيل: هذه الفقرة