شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٤٧ - «الشرح»
..........
و من طرق العامّة قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «رحم اللّه موسى بن عمران لوددت أن لو صبر و لو صبر لرأي عجائب كثيرة» [١] و كذا لا تسألوا عن غير ذلك من منازلكم في الآخرة و من أنسابكم و غيرهما ممّا لا يعنيكم و ذلك نحو ما روي عن ابن عباس أنّه (عليه السلام) كان يخطب ذات يوم غضبان من كثرة ما يسألون عنه ممّا لا يعنيهم فقال:
«سلوني لا أسأل عن شيء إلّا و أجبت فقال رجل: أين أبي؟ فقال في النّار، و قال عبد اللّه ابن حذافة و كان يطعن في نسبه و يدعى لغير أبيه: من أبي؟ قال أبوك حذافة بن قيس، و قال آخر: من أبي؟ قال: أبوك فلان الرّاعي فنزلت الآية [٢]» و قد أشار إليه سيّد الوصيّين أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله «إنّ اللّه افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها و جدّ لكم جدودا فلا تعتدوها و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها [٣]» و قال بعض أصحابنا: يندرج في هذا النهي تكلّم أكثر المتكلّمين الّذين يخوضون في البحث عن صفات اللّه و أفعاله و آياته و كلماته بمجرّد اعتقاده و رأيه أو باتّباعه من اشتهر في هذه الصنعة [٤]
[١] راجع تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٩٧ نقله عن ابن جرير من حديث ابى بن كعب بنحوه.
[٢] أخرج نحوه ابن مردويه كما في الدر المنثور ج ٢ ص ٣٣٥.
[٣] النهج قسم الحكم و المواعظ تحت رقم ١٠٥.
[٤] طريق العلم بأصول الدين اما كلياتها مجملا كالتوحيد و صفات الواجب و النبوة و صدق النبي و دلالة المعجرة عليه و امثال ذلك فهو العقل لا غيره و اما التفاصيل و الكيفيات و دفع الشبهات فقد يتمسك فيها بالعقل و قد يتمسك بنصوص من ثبت حجية قوله و العقل من حجج الرحمن و دل على ذلك ما سبق في الكتاب الاول من الآيات و الاحاديث فليس ذم علم الكلام من جهة أخذه من العقل كما يتوهمه أهل الحديث و ليس أيضا ترغيبا في أخذ الاصول التى يعتبر فيها اليقين من الاحاديث المظنونة اذ لا يتولد اليقين من الظن و لا يفيد في ذلك كون الظن في عرفهم علما بل النهى عن الكلام و ذمه متوجه الى من يتعصب للمذاهب الباطلة و التجشم لتصحيحها كما نرى من تعصب من الاشعرية في تصحيح ما نقل عن رئيسهم في الكلام النفسى و الكسب و الجبر و القدر لان رئيسهم كان خبيرا بمذاق العوام و أوهامهم فاخترع امورا تقرب الى ذهنهم و ان كان مخالفا للعقل مثل تعظيم القرآن في نفوس العوام اقتضى أن يقال كلام اللّه قديم فصرح به و قيل منه العوام و أنكروا على من قال هو حادث و اكفروه بانه توهين للقرآن و ان كان هذا مخالفا للعقل، و كذلك قوله بأن كل شيء بإرادة اللّه و ليس للناس اختيار رآه الاشعرى اقرب الى اذهان متعبدى العوام من أن يقال ان فعله بإرادته لا بإرادة اللّه فتعصب اتباعه له و اخترعوا أقوالا منكرة تجشما، و لا يدل ذلك على توهين امر العقل و عدم حجية الدلائل المأخوذة منه و لعلنا نتكلم في ذلك في موضع أليق ان شاء اللّه تعالى. (ش)