شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٠٤ - «الشرح»
..........
من الحكم و الفتيا بغير علم و من لؤم الدّنيا و عذاب الآخرة و في الاعتراف بالجهل منافع كثيرة و هو أحد العلمين و لهذا قيل: لا أدري نصف العلم
(و لا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم)
(١) هذا كناية عن عدم نفاذ بصيرته في العلوم و عدم إتقانه للقوانين الشرعيّة [١] لينتفع بها انتفاعا تامّا يقال: فلان لم يعضّ على الامور بضرس قاطع إذا لم يحكمها و لم يتقنها و أصله أنّ الإنسان يمضغ الطعام الّذي هو غذاء البدن ثمّ لا يجيد مضغه لينتفع به البدن انتفاعا تامّا فمثّل به من لم يحكم و لم يتقن و ما يدخل فيه من المعقولات الّتي هي غذاء الرّوح لينتفع به الرّوح انتفاعا كاملا و حاصل الفقرتين أنّه لا يعترف بالجهل ليسلم عن الحكم من غير علم و لا له بضاعة في المعارف ليكون على بصيرة فيها و محصولهما أنّه متلبّس بالآفات متعرّض للقضاء و الفتاوي بالشبهات
(يذري الرّوايات ذرو الرّيح الهشيم)
(٢) ذراه و أذراه ذروا و إذراء إذا طيره و قلّبه من حال إلى حال و الهشيم النبت اليابس المنكسر و فيه تشبيه تمثيليّ و وجه التشبيه صدور فعل بلا رويّة من غير أن يعود إلى الفاعل نفع و فائدة فإنّ هذا الرّجل المتصفّح للرّوايات ليس له بصيرة بها و لا رويّة في تصفّحها و لا شعور بوجه العمل بها بل هو يمرّ على رواية بعد اخرى و يمشي عليها من غير فائدة و انتفاع كما أنّ الرّيح الّتي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها و لا يعود إليها من ذلك الفعل نفع [٢] و فائدة فإنّ قلت: الذرو مصدر يذر و لا يذري و إنّما مصدره الإذراء
[١] لا ريب ان العالم يحب أن يكون متيقنا بصحة ما يفتى به اما بان يكون موافقا للواقع أو موافقا لما هو مكلف بمتابعته و اذا تبع الروايات التى لا يحصل له منها العلم بالواقع لاحتمال الدس و الخطأ و الغلط و لم يكن له دليل على حجيتها و التعبد بصحتها ظاهرا و ان كان خلاف الواقع فليس لهذا الرجل ضرس قاطع و لكن يذرى الروايات ذرو الريح الهشيم. (ش)
[٢] بل يعود منها الضرر لان تشخيص الصحيح منها و السقيم و ما يعمل به و ما لا يعمل ثم مفادها و معناها و الجمع بين ما ظاهره التناقض مما لا يقدر عليها الا من له ضرس قاطع و لا يذرى الروايات ذرو الريح اذ يوجب منه طرد روايات صحيحة و العمل بروايات سقيمة و ربما يوجب شيوع الضعاف بين الناس و تمكنها في قلوبهم أن يظن أنها من الدين و يصعب الامر و يضل به الناس و يطعن الزنادقة في الأنبياء و الائمة لانهم يرون هذه الاباطيل منسوبة إليهم و لو ادعى احد ان مروق جماعة من الدين و شك طائفة في صدق النبيين (عليهم السلام) في هذه الاواخر ليس إلا لشيوع الروايات الضعيفة منذ اواخر عهد الصفوية بين الناس لم يكن مجازفا خصوصا بعد ما اشتهر من الاخباريين أن جميع الروايات صادرة عن الائمة حقيقة و أنه لا يجوز رد شيء منها و لم يكن غرضهم الا خدمة الدين و تعظيم شأن الحديث الا أن غلوهم فيه انتج عكس المطلوب و قد ذكر الغزالى في كتاب تهافت الفلاسفة «انه لا يجوز لعلماء الدين رد ما ثبت في العلوم التعليمية فان من ثبت ذلك عنده و لا يشك فيه بل يخبر بمثل الكسوف و الخسوف من قبل مبنيا على كونهما من آثار حركات الكواكب و حيلولة بعضها لبعض اذا قلت له ليس هذا الّذي تعتقده من الدين لم يشك في علمه بل شك في الدين. (ش)