دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٧٧ - فصل في التقليد
و هذه الأخبار على اختلاف مضامينها و تعدد أسانيدها، لا يبعد دعوى القطع بصدور بعضها، فيكون دليلا قاطعا على جواز التقليد، و إن لم يكن كل واحد منها بحجة، فيكون مخصصا لما دلّ على عدم جواز اتباع غير العلم و الذم على التقليد، من الآيات و الروايات.
كلّ أمر يعرفه أهل خبرته إليهم، إلّا أنّ هذا البناء و حكم العقل قابل للردع عنه، حيث يمكن للشارع إلغاء التقليد في الحكم الشرعيّ الفرعيّ بالأمر بالاحتياط في كلّ واقعة لم يتفق العلماء الموجودون في عصره على نفي التكليف فيها، و إذا أمكن ذلك و احتمل العاميّ الردع فلا يفيده الحكم العقليّ الفطريّ، و قوله (قدّس سرّه): لو لا ذلك الفطريّ عند العاميّ لانسدّ على العاميّ باب العلم بجواز التقليد، ممنوع؛ إذ اللازم على العاميّ علمه بجواز التقليد له في المسائل التي يبتلى بها، و هذا يحصل من الاستدلال، و الاستدلال لا يتوقّف على تمكّنه و إحاطته بجميع ما يكون دليلا للجواز عند الفقيه، بل على العاميّ أن يعتمد على علمه الحاصل من فتوى علماء عصره العدول المعروفين و من كان قبل عصره، و الجزم بأنّه لو منع الناس عن الرجوع إلى العلماء في تعلّم الفتوى و العمل به و أوجب عليهم الاحتياط لما أفتى هؤلاء بالجواز، و جواز الاقتصار بالعمل على طبق الفتوى المعتبر، و بهذا أيضا يقنع نفسه في مسألة لزوم تحصيل العلم و اليقين في الاعتقاديّات و رفع اليد عن حكم الارتكاز، بأنّه لو لم يجب ذلك على الناس و جاز التقليد فيها لما أفتوا بوجوب تحصيل العلم و اليقين و الاعتقاد و لو بدليل يقنع نفسه.
و قد يقال: إنّه لو لم يتمكّن العاميّ من تحصيل العلم بجواز التقليد كان اللازم في حقّه بحكم العقل هو الاحتياط في الوقائع بالأخذ فيها بأحوط الأقوال من العلماء المعروفين في عصره؛ لأنّه لا يعلم بثبوت تكاليف زائدة في حقّه في الوقائع التي