دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢١٩ - الفرق بين كون موافقة الكتاب مرجّحا أو مرجعا
بخبر الواحد، إلّا أن الأخبار الدالة على أخذ الموافق من المتعارضين غير قاصرة عن العموم لهذه الصورة، لو قيل بأنها في مقام ترجيح أحدهما لا تعيين الحجة عن اللاحجة، كما نزلناها عليه، و يؤيده أخبار العرض على الكتاب الدالة على عدم حجية المخالف من أصله، فإنهما تفرغان عن لسان واحد، فلا وجه لحمل و الخفقتين لا توجب الوضوء [١]، و ورد في خبر آخر أنّهما توجبانه، فالدالّ على كونهما موجبتين له موافق لإطلاق الآية المباركة، فعلى تقدير كون موافقة الكتاب مرجّحا يؤخذ بالخبر الدّال على وجوب الوضوء بهما، و يرفع اليد به عن إطلاق المستثنى منه في قوله (عليه السلام): لا ينقض الوضوء إلّا البول و الغائط و الريح و الجنابة و النوم [٢]، فإنّ مدلوله أنّ غير الخمسة لا ينقض الوضوء و لا يوجبه إلّا الخفقة، بخلاف ما إذا قيل بتساقط الخبرين و كون الكتاب مرجعا، فإنّه على ذلك لا تصل النوبة إلى الأخذ بعموم الكتاب و إطلاقه، بل يرجع إلى إطلاق المستثنى منه في الخبر الدّال على حصر النواقض، فإنّ هذا الخبر بالإضافة إلى الكتاب أخصّ كما لا يخفى، فتكون النتيجة عدم كونهما موجبتين للوضوء، و لا بدّ من الالتزام بكون موافقة الكتاب مرجّحة لأحد الخبرين لا مرجعا، كما هو ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة بل و غيرها، حيث أمر (سلام اللّه عليه) فيها بالأخذ بالخبر الموافق.
بقي في المقام أمر و هو ما قيل من أنّ المرجّح لأحد المتعارضين في الخبر موافقة العموم الوضعيّ للكتاب و لا تفيد موافقة إطلاقه؛ لأنّ الإطلاق غير داخل في مدلول الكتاب أي مدلول ألفاظه، بل هو حكم عقليّ يترتّب عقلا على تماميّة مقدمات الحكمة في ناحية المطلق، و ما هو من الكتاب المدلول عليه لذات المطلق
[١] انظر وسائل الشيعة ١: ٢٥٤، الباب ٣ من أبواب نواقض الوضوء، الحديث ٨.
[٢] المصدر السابق: ٢٥١، الباب ٢، الحديث ٨.