دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٧٢ - فصل في التقليد
ثم إنه لا يذهب عليك أن جواز التقليد و رجوع الجاهل إلى العالم في الجملة، يكون بديهيا جبلّيا فطريا لا يحتاج إلى دليل، و إلّا لزم سدّ باب العلم به على العامي مطلقا غالبا، لعجزه عن معرفة ما دلّ عليه كتابا و سنّة، و لا يجوز التقليد فيه أيضا، و إلّا لدار أو تسلسل، بل هذه هي العمدة في أدلته، و أغلب ما عداه قابل للمناقشة، في الوقائع التي يبتلى بها، و لا يلزم في حكمه بلزوم تحصيله أن يكون سبق التعلّم على العمل، و أن يكون عمله بدونه قبله من العمل بلا تقليد، حيث إنّه إذا عمل العاميّ في واقعة عملا برجاء أنّه عمل بالواقع و الوظيفة، ثمّ ظهر له بعد العمل أنّه على طبق فتوى المجتهد الذي يجب الرجوع إليه كفى ذلك في حكم العقل المتقدّم، و عدم سبق التقليد على العمل لا يضرّ في الفرض، فاستشهاد الماتن (قدّس سرّه) بأنّ التقليد عبارة عن تعلّم الوظيفة للعمل لا نفس العمل بقول الغير و إلّا كان العمل الأوّل بلا تقليد كما ترى، هذا كلّه بالإضافة إلى حكم العقل.
و أمّا الأدلّة و الخطابات الشرعيّة فقد ذكرنا سابقا أنّ وجوب تعلّم الأحكام و التكاليف بالإضافة إلى الوقائع التي يبتلى بها المكلّف أو يحتمل ابتلاءه بها طريقيّ، بمعنى أنّ الغرض من إيجاب التعلّم إسقاط الجهل بالتكليف عن العذريّة في صورة إمكان تعلّمه، فهذه الأدلّة منضمّا إلى الروايات الواردة في إرجاعهم (عليهم السلام) الناس إلى رواة الاحاديث و فقهاء أصحابهم كافية في الجزم في أنّ لزوم تعلّم الأحكام في الوقائع التي يبتلي بها المكلف أو يحتمل ابتلاءه يعمّ التعلّم من فقهاء رواة الأحاديث، فلا يكون الجهل مع إمكان التعلّم من الفقيه عذرا في مخالفة التكليف و ترك الوظيفة.
و مما ذكرنا يظهر أنّ ما ذكره في العروة- من بطلان عمل العاميّ التارك للاحتياط و التقليد- بمعنى عدم الإجزاء به عقلا، و أنّه لو كان مع تركهما مخالفة التكليف