تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٠٣ - سنه خمس و ستين
قال: لما هلك عبد الله بن وال نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل الى جنبه، و نحن نرى انه رفاعة بن شداد البجلي، فقال له رجل من بنى كنانه يقال له الوليد بن غضين: امسك رايتك، قال: لا أريدها، فقلت له: انا لله! ما لك! فقال: ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر اليه، فقال: أهلكتنا، و الله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نهلك من عند آخرنا، فان نجا منا ناج اخذه الاعراب و اهل القرى، فتقربوا اليهم به فيقتل صبرا، أنشدك الله ان تفعل، هذه الشمس قد طفلت للمغيب، و هذا الليل قد غشينا، فنقاتلهم على خيلنا هذه فانا الان ممتنعون، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بها، فكان ذلك الشان حتى نصبح و نسير و نحن على مهل، فيحمل الرجل منا جريحه و ينتظر صاحبه، و تسير العشرة و العشرون معا، و يعرف الناس الوجه الذى يأخذون، فيتبع فيه بعضهم بعضا، و لو كان الذى ذكرت لم تقف أم على ولدها، و لم يعرف رجل وجهه، و لا اين يسقط، و لا اين يذهب! و لم نصبح الا و نحن بين مقتول و ماسور فقال له رفاعة بن شداد: فإنك نعم ما رايت، قال: ثم اقبل رفاعة على الكنانى فقال له: ا تمسكها أم آخذها منك؟ فقال له الكنانى: انى لا اريد ما تريد، انى اريد لقاء ربى، و اللحاق بإخواني، و الخروج من الدنيا الى الآخرة، و أنت تريد ورق الدنيا، و تهوى البقاء، و تكره فراق الدنيا، اما و الله انى لاحب لك ان ترشد، ثم دفع اليه الراية، و ذهب ليستقدم فقال له ابن احمر: قاتل معنا ساعه رحمك الله و لا تلق بيدك الى التهلكه، فما زال به يناشده حتى احتبس عليه، و أخذ اهل الشام يتنادون: ان الله قد اهلكهم، فاقدموا عليهم فافرغوا منهم قبل الليل فأخذوا يقدمون عليهم، فيقدمون على شوكه شديده، و يقاتلون فرسانا شجعانا ليس فيهم سقط رجل، و ليسوا لهم بمضجرين فيتمكنوا منهم، فقاتلوهم حتى العشاء قتالا شديدا، و قتل الكنانى قبل المساء، و خرج عبد الله بن عزيز الكندى و معه ابنه محمد غلام صغير، فقال: يا اهل الشام، هل فيكم احد من كنده؟ فخرج اليه منهم رجال، فقالوا: نعم، نحن هؤلاء،