تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٠٢ - مقتل الحسين
تصلى أنت و نصلى بصلاتك، قال: فصلى بهم الحسين، ثم انه دخل و اجتمع اليه اصحابه، و انصرف الحر الى مكانه الذى كان به، فدخل خيمه قد ضربت له، فاجتمع اليه جماعه من اصحابه، و عاد اصحابه الى صفهم الذى كانوا فيه، فاعادوه، ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته و جلس في ظلها، فلما كان وقت العصر امر الحسين ان يتهيئوا للرحيل ثم انه خرج فامر مناديه فنادى بالعصر، و اقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم، و انصرف الى القوم بوجهه فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: اما بعد، ايها الناس، فإنكم ان تتقوا و تعرفوا الحق لأهله يكن ارضى لله، و نحن اهل البيت اولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، و السائرين فيكم بالجور و العدوان، و ان أنتم كرهتمونا، و جهلتم حقنا، و كان رأيكم غير ما أتتني كتبكم، و قدمت به على رسلكم، انصرفت عنكم، فقال له الحر بن يزيد: انا و الله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر! فقال الحسين: يا عقبه بن سمعان، اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم الى، فاخرج خرجين مملوءين صحفا، فنشرها بين ايديهم، فقال الحر: فانا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، و قد امرنا إذا نحن لقيناك الا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد، [فقال له الحسين: الموت ادنى إليك من ذلك،] ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا، فركبوا و انتظروا حتى ركبت نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا بنا، فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم و بين الانصراف، فقال الحسين للحر:
ثكلتك أمك! ما تريد؟ قال: اما و الله لو غيرك من العرب يقولها لي و هو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل ان اقوله كائنا من كان، و لكن و الله ما لي الى ذكر أمك من سبيل الا باحسن ما يقدر عليه، فقال له الحسين: فما تريد؟ قال الحر: اريد و الله ان انطلق بك الى عبيد الله بن زياد، قال له الحسين: اذن و الله لا اتبعك، فقال له الحر:
اذن و الله لا أدعك، فترادا القول ثلاث مرات، و لما كثر الكلام بينهما قال له الحر: انى لم اومر بقتالك، و انما امرت الا افارقك حتى اقدمك الكوفه، فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفه، و لا تردك الى المدينة،